الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٣في الأحكام معهم فسيطروا أو بالأحرى حاولوا السيطرة على منصب القضاء مراراً(1) وممَّا يدلُّ على تساهل الأحناف بعكس المالكية تحليلهم للنبيذ(2) بل إنهم تساهلوا حتى مع الشيعة وتولوا لهم مناصب إدارية فقال فيهم ابن عذاري وفي مذهبهم «هو الجائز عند الشيعة لما فيه من الترخيص»(3).
وإمعاناً في اضطهاد فقهاء المالكية عمد الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي إِلى تولية الأحناف قضاء القيروان فأمعن هؤلاء في التنكيل بالمالكية(4)، وترويعهم وقتل البعض منهم فالقاضي ابن عبدون استطال على طبقة المدنيين وامتهنهم وامتحن على يديه «ابن معتب» أحد فقهاء وزهاد القيروان(5) أدخل رجليه في «فلقة» وضربهما حتى أدماهما ودبر لعبد الله بن أحمد بن طالب من سقاه سماً وقتل جماعة من بينهم إبراهيم الدمني وأحمد بن عبدون القصار وطلب يحي بن عمر حتى توارى عنه(6) «وبلغ من اشتهار هذا القاضي بالصلف والعنف وتعقب المالكية أنَّ إبراهيم بن الأغلب كان يتوعد به إذ قال لعيسى بن مسكين (القاضي) تلميذ سحنون: "إن لم تل القضاء لأولينَّ ابن عبدون يُظهر البدع ويُهين السنة"»(7).
إنَّ هذه الفترة التي أعقبت قضاء سحنون بن سعيد بصفة بعامة وعهد إبراهيم الثاني بصفة بخاصة، بلغ النزاع المذهبي فيها أشده بين فقهاء المالكية «وهم الممثلون للمعارضة في الحكم وبين الأحناف المندفعين لتأييده تأييداً مطلقاً، واتخذ
(1) - أبو العرب: طبقات. مقدِّمة المحققين 15.
(2) - نفسه 16.
(3) - البيان المغرب، 1/ 155.
(4) - محمود إسماعيل: الأغالبة 193.
(5) - انظر ترجمته في تراجم أغلبية 155 - 260.
(6) - الخشني: طبقات 187. عياض: تراجم 259 - 260 وانظر مقدِّمة محققي طبقات أبي العرب 16. ومقدمة محقق كتاب أحكام السوق ليحي بن عمر، 11.
(7) - طبقات أبي العرب، مقدِّمة المحققين 16. الجودي: تاريخ (مخ) ق15و.