الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٤النزاع السياسي متنفساً للظهور في الجدل المذهبي»(1) وقد رأينا فيما سبق من فصول(2) كيف أنَّ العداوة والصراع المذهبي تناول كل شيء حتى مقر القضاء، فالبيت الذي بناه سحنون بالجامع للقضاء به لأول مرة بإفريقية لم يسلم هو أيضا فكان إذا ولي حنفي هدمه وإذا ولى مالكي بناه من جديد وظل الصراع قائما بين المذهبين إِلى أواخر القرن الرابع الهجري(3).
وظل هذا الصراع ممتداً عهد الفاطميين إذ شددت المالكية من عدائها للشيعة ومن ناصرها ووجد الأحناف فرصة ثانية لمواجهة المالكية بالتقرب من الفواطم وقبول المناصب منهم(4) للانتقام من خصومهم ومنافسيهم في دولة الأغالبة(5) وكان صبر المالكية ومصابرتهم كبيرة جداً في هذه الفترة أهينوا إِلى درجة أنَّ القاضي عياض قال «كأنهم ذمَّة»(6).
ومثلما ناصبت المالكية العداء للأحناف فإنها كانت أشد وأنكى على المعتزلة(7) ولقد رأينا كيف كان موقف القاضي سحنون من القاضي الذي سبقه: عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي وعرفنا كيف كانت نهايته معه.
(1) - يحي بن عمر: أحكام السوق. مقدِّمة المحقق 11.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 88 وانظر المبحث الأوَّل من الفصل الثالث من الباب الثاني.
(3) - مقدمة تحقيق طبقات أبي العرب 16.
(4) - الخشني: طبقات 180 - 197، 223 - 226، ابن عذاري: البيان 1/ 155، عياض: تراجم 369.
(5) - أبو العرب: طبقات مقدِّمة المحققين. 17، 18.
(6) - إنَّ المالكيَّة تعرضت لكثير من التعذيب من قبل االحنفية بخاصة، لأَنَّ الشيعة رفضت على لسان أبي عبد الله الداعي أن تكون دولتها دولة قهر واستطالة، ورفض الداعي نفي من خالف مذهبه من القيروان، لأَنَّ دولته دولة حجَّة وبيان، فأمر بترك الناس على مذاهبهم. ولعلَّ ما تعرضت له المالكيَّة كان بعد وفاة ومقتل أبي عبد الله الشيعي. انظر النويري: نهاية الأرب (فاطميون) ص40 وانظر عياض: ترتيب المدارك. 2/ 318 بوبة مجاني: النظم الإدارية في بلاد المغرب خلال العصر الفاطمي 296 - 362هـ. أطروحة دكتوراه، إشراف د. محمود إسماعيل. جامعة قسنطينة 1995 - 1996. ص63.
(7) - أبو العرب: طبقات. 153، 175.