الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٦لقد ظهر أنَّ الأمير الأغلبي هو المتحكم في اختيار المذهب الذي يريده لقاضيه، فأبو العباس عبد الله الثاني ذو الميول الاعتزالية يستقضي الصديني المعتزلي وأبوه إبراهيم الثاني الذي لم يختر لنفسه مذهباً، على ما يبدو، استقضى الأحناف والمالكية وختم عهده بقاض معتزلي لكنه لم يعيّنه لنفسه ولم يقصد به عهده بقدر ما قصد به عهد ابنه كما أسلفنا، فهو لايهمه أن يكون القاضي من مذهب معين وإنَّما الذي اهتم به فعلا هو أن يكون القاضي مطواعاً له غير قوي الشخصية لا يفرض مذهبه عليه …(1) ولما تولىّ زيادة الله الثالث آخر أمراء الأغالبة السلطة عزل القاضي المعتزلي وولى مكانه حماس بن مروان المالكي وتقرب به إِلى علماء بعامة إفريقية من المالكية بخاصة فكتب إليهم «إني عزلت عنكم الجافي الجلف المبتدع، ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة»(2).
المهم أنَّ الأغالبة أعطوا فرصة أخرى للمعتزلة أظهروا فيها اتجاههم الفكري والفقهي، وكانت المالكية كعادتهم لهم بالمرصاد، لم يهدأ لهم بال حتَّى عُزل الصديني وفرحوا لمقتل أبي العباس بن عبد الله الثاني الأمير المعتزلي واعتبر ذلك بمثابة الخلاص الذي تمَّ بمعجزة(3) لأنه المسؤول الأوَّل عن إحياء «النزاع المشؤوم المتعلق بخلق القرآن … عمل على نشر هذه العقيدة مجدداً من أعلى منابر الإمارة كلها … مغالياً في إبداء صدقه في ظرف غير لائق … »(4) فهو الذي يرى رأي أبي حنيفة كما يؤكد ذلك القاضي النعمان «ويذهب إليه وينتحل القول بخلق القرآن»(5) لذلك
(1) - قال الأمير إبراهيم الثاني للقاضي عبد الله بن أحمد بن طالب المالكي في إحدى مناظراته: «أنت لاتضطرني إلى مذهبك وأنا لا أضطرك إلى مذهبي» المالكي: رياض 2/ 73.
(2) - عياض: تراجم. 344.
(3) - محمد الطالبي: الدولة الأغلبية 596.
(4) - نفسه 595.
(5) - القاضي النعمان: افتتاح 154 - 155. ويذكر الخشني أنَّ أبا العبَّاس عبد الله بن إبراهيم هذا عرض القضاء على أبي عبد الله البجلي محمَّد بن علي الذي كان يغلب عليه مذهب الشافعي وكان جليل المقدار رئيساً من رؤساء العلماء إِلاَّ أنَّ هذا الأخير رفض، ربَّما لأنَّه يعلم أنَّ المالكيَّة والأحناف سوف لن يتركوه وشأنه. انظر طبقات. 213.