الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٨من المعروف أنَّ حماس بن مروان وقع له مثلما وقع لسحنون مع القاضي الطبني فزيادة الله الثالث آخر أمراء الأغالبة ولى للقضاء مع حماس بن مروان محمَّد بن أحمد بن جيمال الحنفي (293 - 296هـ) الأمر الذي دفع حماس إِلى الاعتزال عن القضاء لمدة يسيرة(1) ويبدو أنَّ زيادة الله لاحظ ميل هؤلاء إِلى أبي عبد الله الشيعي، الذي بدأت معاوله تهدم الكيانات، فلم يغادر إفريقية إلاَّ بعدما عين آخر قضاة القيروان وهو إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشَّاب المالكي الذي شهد دخول الشيعة الفاطميين(2) وهروب زيادة الله الثالث وانهيار الدولة الأغلبية عام 297هـ/909م.
هكذا يكتشف الأغالبة في نهاية المطاف وبعد فوات الأوان أنَّ المذهب الذي أخلص لهم بالفعل هو المذهب المالكي دون سواه من الحنفية والمعتزلة لذلك هرب آخرهم من إفريقية تاركاً إياها أمانة بيد المالكية وبالفعل لم يهدأ لهم بال حتى أعادوها مالكية خالصة رغم السنين الطوال فلم يعد القضاء وحده مالكياً وإنما أيضاً أصبح الأمراء وولاة الأمور جميعهم من المالكية.
لمَّا كانت إفريقية في القرنيين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) تختار مذهبها بواسطة القضاء وكان مرجل المذاهب فيها يغلي(3)، كان المغرب الأوسط والأقصى يعيش ذلك الصراع إلاَّ أنَّه ربما أقل حدة مما هو في إفريقية الأغلبية، فالرُّستميون لمَّا اختاروا لهم مكاناً قصياً عن القيروان مركز الصراع المذهبي ببلاد المغرب قاطبة، عاشوا أحادية المذهب فترة طويلة. فالإباضية المذهب الرسمي لدولة الرُّستميين حاولت في عهد الولاة أن تجد لها مكاناً في إفريقية واستطاعت أن تحكم فيها لفترة قصيرة (140 - 145هـ) وأن تعين قاضيها بالقيروان عبد الرحمن بن
(1) - الخشني: طبقات 196، 238 - 239، عياض: تراجم. 344، 346.
(2) - الخشني: طبقات. 176، 196، 239.
(3) - لمزيد من التفاصيل حول الصراع المذهبي بإفريقية انظر المجذوب: الصراع المذهبي بإفريقية.