الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٩رستم إلاَّ أنه سرعان ما زحزح في خضم ذلك الصراع المذهبي ووجد سبيله إِلى تيهرت بالمغرب الأوسط حيث أقام الدولة الإباضية الرُّستمية واتخذت هذه الدولة قضاتها بطبيعة الحال من الإباضية دون سواهم(1)، فحق الاختيار كان للشراة من الإباضية فقط خلال عهود طويلة، وفي دولة أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان الثانية (286 - 294هـ) أصبح هذا الاختيار من مهام الشراة الإباضية وغيرهم من المذاهب(2)، فهل يمكن أن يكون القاضي في تيهرت في هذه الفترة المتأخرة جداً من زمن الدولة الرُّستمية (160 - 296هـ/777 - 909م) من غير الإباضية مادام اختيار هذا القاضي لا يتم بواسطة الشراة الإباضية وحدهم مثلما جرت العادة منذ بداية الدولة وإنما يتم بإشراك المذاهب الأخرى في هذا الاختيار؟
الحقيقة أنَّ المذهب الإباضي في أواخر الدولة الرستمية بمنطقة تيهرت يبدو وكأنه يمثل الأقلية بسبب توافد العديد من العناصر المالكية والحنفية والمعتزلة(3) من جهة، ومن جهة أخرى بسبب التشتت الذي أصاب الإباضية في مذهبها إذ من المعروف أنَّ وحدة المذهب تفتقت وثشتتت وكان هذا منذ عهد الإمام الثاني عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208هـ) إذ على يديه وقع الافتراق الأوَّل الذي انبثقت عنه فرقة النكار والافتراق الثاني الذي انبثقت عنه فرقة الخلفية. وفي عهد أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258هـ) ظهرت فرقة النفاثية، وأمام هذه الانقسامات احتفظت الإباضية الحاكمة (الأم) لها بتسمية الوهبية(4)، وهكذا نلاحظ أنَّ النواة الإباضية لم تحافظ على قوتها ووحدتها ولا على غالبيتها في العدد
(1) - ابن الصغير: أخبار 28، 54. بحاز: الدولة الرستمية 324 جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية 279 - 280.
(2) - ابن الصغير: 101 وانظر جودت عبد الكريم: الأوضاع 278.
(3) - الشماخي: سير 158.
(4) - عن هذه الفقرة الإباضيَّة كتابنا الدولة الرستمية 330. عوض خليفات: النظم الاجتماعية. 103 - 118.