الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧١أن يكون في كل المدن وفي كل الدول يتولى أمره الفقهاء من تلك المذاهب وتلك الأديان للبت في صغائر القضايا أمَّا كبرياتها فإنها ترفع إِلى القضاء الذي تتبناه الدولة وتدعمه بسلطتها بحيث يمكنها هي وحدها أن تحق الحق وتبطل الباطل في حدود دولتها وهذا ما نعتقد وجوده في تيهرت خلال العهد الرستمي كله.
أمَّا في الأقاليم فإنَّ الذي يتبادر إِلى الذهن أنَّ الإباضية هي التي كانت تتولى القضاء دون غيرها من المذاهب لأنَّ أغلب تلك الأقاليم كانت خالصة للإباضية دون سواها من المذاهب كوارجلان وجبل نفوسة وما يحيط به من قرى(1) ولقد ذكرنا عدة مرات المقولة الشرطية للقاضي عمروس بن فتح لمَّا قال للوالي إلياس بن أبي منصور إن لم تأذن لي بثلاث فخذ خاتمك عني ومن بين تلك الثلاث قتل الطاعن في دين المسلمين والدال على عوراتهم(2) ويقصد بدين المسلمين الإباضية بالذات، فإنَّه كقاضٍ لا يقبل الطعن في المذهب الإباضي وبالتالي من هنا نلاحظ الدور الكبير الذي لعبه القضاء في تركيز المذهب الإباضي في تلك المناطق.
وفي سؤال طرح على الإمام عبد الوهاب عن رجلين تخاصما عند صاحب السجل (القاضي) فأراد أحدهما أن يقوم عنه إِلى غيره ربما من غير الإباضية فكان جواب عبد الوهاب في ذلك «إنه ليس له أن يرتفع عن ذلك الحاكم (القاضي) الذي اختصما إليه إلاَّ أن يكون الإمام (هو) الذي غيَّر ذلك الحاكم بنقله إلى حاكم غيره وأمَّا من غير الإمام فليس له النقلة عنه حتَّى يفصل حكمه بينهما، إذا كان ذلك الحاكم مستعملا عليهما … »(3).
وفي قسطيلية من بلاد الجريد قاضٍ مالكي هو محمَّد بن فرج بن البناء مولى الأغالبة(4) ولاّه إبراهيم الثاني ابن أحمد قضاءها ويبدو أنَّه لم يكن مرغوباً فيه لأنَّ
(1) - انظر قائمة قضاة الرستميين بالأقاليم 6.
(2) - الشماخي: 226. البغطوري: سيرة (مخ) ق 48.
(3) - مسائل نفوسة 189 وانظر قصَّة مثلها ص190، 193.
(4) - عياض: 371 - 372