الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٢الإقليم إقليم الإباضية في أغلبه وكان تابعاً لتيهرت الرستمية كما أنَّه كان تابعاً لإفريقية الأغالبة ويبدو أنَّ تبعيته لتيهرت كانت مرغوبة لأنَّ القبائل التي تدين بالولاء لإمام تيهرت تشكل مجموع سكان المنطقة ومع ذلك كانت تلك التبعية محدودة بينما كانت تبعيتها للقيروان مفروضة وشاملة(1) ومن هنا كان القاضي مالكياً ولا نستبعد أن يكون هناك قاض أو قضاة في بلاد الجريد الواسعة من الإباضية للبت في القضايا الإباضية إلاَّ أنَّ هؤلاء القضاة ليسوا تابعين للأغالبة السلطة الحقيقية في تلك البلاد وإنما هم تابعون للرستميين أصحاب السلطة الروحية، وهذه الأخيرة لا تقوى دائماً على فرض الحق ودحض الباطل وبالتالي وجب الالتجاء إلى القاضي الذي تدعمه السلطة الحقيقية وهو القاضي المالكي وهو الذي له النفوذ في البلد دون سواه ومن هنا وجب التعامل معه إلاَّ أنَّ ذلك يتم عند الضرورة القصوى(2) لأنَّه موظف غير مرغوب فيه ولقد رفع أهل قسطيلية على القاضي المذكور البغي عند الأمير إبراهيم الثاني فعزله ولمَّا سمعوا بعزله قبل أن يصل إِلى القاضي نفسه تجرؤوا عليه فشتموه وعرف القاضي أنَّ هذه الجرأة لم تأت إلاَّ من كونه قد عزل، وسوف يأتيه قرار العزل بخاصة وأنَّه امتنع على إبراهيم الثاني أن يسلفه من أموال اليتامى المودعة عنده وعرف حقده عليه. لذلك وبالفعل قبض على القاضي وأرسل إِلى رقادة واستطاع أن يدافع عن نفسه ويبرئ ذمته مما نسبه
(1) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، 386 - 388. جودت عبد الكريم: العلاقات، 60 - 61. وممَّا يدلُّ على بقاء نفوذ الإباضيَّة قويا في هذا الإقيم حتَّى عهد الفاطميين انظر بوبة مجاني: النظم الإدارية، أطروحة، 205.
(2) - يتحدث ابن ناجي صاحب تكميل معالم الإيمان المتوفى سنة 839هـ/1435م عن استقضائه بجزيرة جربة على العهد الحفصي ويقول بأنَّه كان يقوم في جوف الليل يرغب إلى الله لأنَّه كان في غاية ما يكون من الإشفاق والخوف على نفسه، إذ لا يجد في جربة من يشركه أمره فأهلها خوارج ولهم مذهب لأنفسهم ويقصد بهم الإباضيَّة الذين قاطعوه ولا يلتجئون إليه إِلاَّ نادراً ومن هنا كانت وحشته وخوفه. انظر معالم الإيمان 1/ 295.