الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٥قبيلته بطاعته وتعظيمه»(1) فهل يُعقل أن يتمذهب هذا العلوي بالمذهب المعتزلي وبهذه السرعة؟ لا نجيب على هذا التساؤل بشكل مباشر وإنَّما يمكن أن نقول بأنَّ هناك تقارباً عقائدياً بين التشيع والاعتزال ظهر جلياً على عهد المأمون الخليفة العباسي (198 - 218هـ/813 - 833م) الذي جمع في شخصه وفي سياسته الاتجاهين معاً(2)، وبالتالي فإنه يمكن القول إن مسايرة إدريس الأوَّل للاعتزال في المغرب الأقصى ليست بدافع المصلحة بقدر ماهي بدافع تلك العناصر التي تجمع بين المذهبين.
إنَّ ادريس الأوَّل وهو القاضي الأوَّل بالدولة الإدريسية كان يحكم ولاشك وفق مذهبه الزيدي(3) رعية هي في أغلبها على الأقل في هذه الفترة المبكرة، معتزلة وظل الأمر هكذا مع مولاه راشد ومع ابنه إدريس الثاني، ولايستعبد أن يكون قد ساعدهم نسبهم الشريف الذي يرجع بهم إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فالأحكام التي يُصدرونها إنَّما هي أحكام جاءت في كتاب الله أو قالها
(1) - نفسه 194 عن المعتزلة في بلاد المغرب انظر البلخي: وآخرون: فضل الاعتزال 110. البكري: المغرب. 67. وابن الصغير: أخبار 82 وانظر محمود إسماعيل: مغربيات 129.
(2) - لقد كان واصل بن عطاء أصل المعتزلة الأوَّل (ت171هـ/787م) معروفاً بصداقته لمحمَّد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب بل إنَّ زيد بن علي (رأس الزيدية) كان تلميذاً لواصل وكانت جماعة من الزيديَّة ببغداد يدعون «معتزلة بغداد» وهذا في عهد الرشيد: انظر فاروق عمر: العباسيون الأوائل 86 - 87 وانظر البلخي وآخرون: فضل الاعتزال، حيث يذكر أنَّ واصل بن عطاء ربَّاه محمَّد بن علي بن أبي طالب وعلمه مع ابنه أبي هاشم عبد الله حتَّى أنَّ هذا الأخير سُئل مرَّة «كيف كان علم محمَّد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره في واصل» 64 - 65.
(3) - يقول الدكتور محمود إسماعيل إنَّ الأدارسة كانوا من الشيعة الزيديَّة ويؤكد الدكتور زغلول عبد الحميد ذلك ويقول بأنَّه رغم أنَّ إدريسا علوي والدولة الإدريسية كانت ملكية وراثية إِلاَّ أنَّها لم تكن دولة شيعية بالمعنى المعروف وهي وإن كانت كذلك فتكون شيعية زيديَّة أي من النوع المعتدل. انظر: محمود إسماعيل: مغربيات 59، زغلول: تاريخ 2/ 423.