القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٧٨

يبدو أنَّ القضاة ظلوا هكذا يعينون من هذا المذهب بالذات، بخاصة وأنَّ فاس عاصمة الأدارسة كانت على الطريق المؤدي إِلى عدوة الأندلس حيث النشاط الكبير للمالكية فضلا عن أنَّ هذه المدينة كما يروي الجغرافيون والمؤرِّخون كانت بعدوتين سكنهما القرويون والأندلسيون وهم الأكثر ميلاً إِلى المالكية منها إِلى أي مذهب آخر فسميت إحداهما بعدوة الأندلسيين وسميت الأخرى بعدوة القرويين وهذا منذ أن أسست عام 192هـ/807م(1) وهكذا شيئاً فشيئاً ساد المذهب المالكي في بلاد الأدارسة وبخاصة في عاصمتهم فاس.

وليس هذا الأمر بالغريب إطلاقاً في هذه الفترة المبكرة من تاريخ المذاهب في الإسلام، فكما رأينا كانت الرعية الأولى معتزلة ثمَّ أصبحت مالكية وظل الأدارسة فيما لا يستطيعون أن يخرجوا عنه وهو أنهم علويون شيعة زيدية وظل القضاء، على أكبر تقدير، على المذهب المالكي ولقد كان الأيمة الأدارسة مترفعين عن المذهبية الضيقة بخاصة في عهودهم الأولى لذلك استطاعوا أن يسوسوا هذه الرعية بهذا المجموع من المذاهب فهم ظلوا «يعتبرون أنفسهم أيمة المسلمين بصرف النظر عن هويتهم المذهبية(2) إذ كانوا يؤمنون بالإسلام بدون مذاهب ويطبِّقون أحكام الشريعة وفق القرآن وسنة جدهم النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -»(3) فلم يحفلوا في قليل أو كثير بنشر المذهب الزيدي

(1) - البكري: المغرب 115، الاستبصار. 180، السنوسي: الدرر السنية 100، زغلول: تاريخ 2/ 517 - 518.

(2) - يناقش الحلبي مذهب الأدارسة ويذكر عدَّة مذاهب مشهورة آنذاك ثمَّ يقول لعلَّ إدريس الثاني كان إماماً مستقلاً مجتهداً لم يتقيد بمذهب أحد إِلاَّ أنَّه يقول بعد ذلك «والأقرب أنَّه كان على مذهب الإمام مالك أو سفيان الثوري بواسطة قاضيه المذكور». انظر الدرجيني: طبقات النفيس (مخ) ق 251 - ط حجرية 207.

(3) - سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة. 126.

٤٨٥ / ٧٤٣