الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٩بين البربر الذين ظل معظمهم على مذهب مالك وبعضهم على مذهب المعتزلة والبعض الآخر على المذهب الخارجي الصفري(1).
إنَّ عناية الأدارسة بالقضاء والقضاة نابعة من سياستهم الدينية التي ذكرناها ومن حرصهم على دعم المظهر الديني لإمامتهم وبالتالي إحكام المركزية وتوطيدها، ولقد كان الباحث محمَّد صدقي على حقّ لمَّا قال «إن إدريس الثاني كان يعلم أنَّه ولوكان الإمام، فليس باستطاعته أن يحمل الناس في الفقه والتشريع على رأي واحد يأخذهم به في تلك الفترة التي كان فيها الفقه مايزال في مطالع تكوينه، لذلك كان قصارى مايستطيع إدريس الثاني القيام به هو تعيين القضاة ومراقبة أحكامهم ومناقشتهم فيها»(2) ويبدو أنَّ الأدارسة ظلوا كلّهم يمارسون هذه السياسة الدينيَّة المتسامحة مع المذاهب الموجودة في دولتهم ولم يصروا على جعل مذهبهم الزيدي مذهباً رسمياً(3) وهكذا غلب مذهب القضاة مذهب الأيمَّة لأَنَّ المالكيَّة يهمها أن تنشر مذهبها وترى ذلك مسؤولية عليها يمليها عليها المذهب في حدّ ذاته كما تمليها عليها الأوضاع المذهبية في كلّ من إفريقية والأندلس.
إنَّ القضاء في المغرب الإِسلاَمِي قد ساهم مساهمة فعالة في توطيد بعض المذاهب وتدعيمها وزوال بعضها الآخر، ويعتبر المذهب المالكي أوَّل المستفيدين من مؤسسة القضاء رغم أنَّه آخر المذاهب وصولاً إلى بلاد المغرب بعد مذاهب الصفرية والإباضيَّة والمعتزلة والحنفيَّة فقد استطاع بصرامة فقهائه وصلابة قضاته على الحقّ أن يزحزح الأحناف ويقصي المعتزلة ويحارب الشيعة وينتصر عليها في نهاية المطاف، وبانتصاره ذاك تربع على عرش القضاء والفتوى ببلاد إفريقية والمغرب بلا منازع ينازعه ذلك السلطان.
(1) - محمود إسماعيل: ملاحظات حول تاريخ الأدارسة مجلَّة الحياة الثقافية. 8 - 9.
(2) - محمَّد صدقي: الأدارسة. 1/ 186.
(3) - محود إسماعيل: سوسولوجيا الفكر الإسلامي، مكتبة مذبولي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م. 1/ 210.