الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٠ولقد رأينا أنَّ المالكيَّة تولت القضاء في دولة الأدارسة قبل أن تقوم دولة الأغالبة في القيروان ورغم أنَّ المذهب المالكي في هذه الفترة هو في طور التكوين والترسيخ إِلاَّ أنَّ أوائل رجاله من تلاميذ مالك كانوا قد تمذهبوا وشكلوا ما يمكن تسميته بالمدرسة الفقهيَّة المالكيَّة التي ظلت تنمو شيئاً فشيئاً في إفريقية واستطاعت أن تخلُف الأحناف في منصب القضاء وتنافسهم في دولة هي في الحقيقة تابعة للعباسيين الذين اتخذوا الحنفيَّة مذهبهم الرسمي ومذهب قضاتهم، كما استطاعت أن تحارب بلا هوادة بعض القضاة المعتزلة في عزِّ سلطان هذا المذهب لمَّا كان المذهب الرسمي للعباسيين.
إنَّ المالكيَّة بفضل إصرارها وبتمكنها من منصب القضاء استطاعت أن تطبع بلاد المغرب بطابعها وأن تغزو قلوب المغاربة وعقولهم.
وإذا كان للإباضية مثل المالكيَّة صولة في بلاد المغرب خلال القرنيين الثاني والثالث للهجرة فإنَّها لم تقوَ على المحافظة على كثافة انتشارها في ربوع المغربين الأدنى والأوسط لأنَّها لم تقم لها دولة بعد دولة الرستميين وبالتالي لم يتربع فقهها على عرش القضاء، وإن بقيت بقيَّة من الإباضيَّة في بلاد المغرب إلى يومنا هذا فسر ذلك يعود إلى المذهب في متانة أصوله ومرونة فروعه كما عبر عن ذلك الشيخ محمَّد الفاضل بن عاشور في إحدى محاضراته(1).
أمَّا المذاهب الأخرى فإنَّها انقرضت كلّها وزالت ولم يبق لها أثر ماعدا المذهب الحنفي الذي عاد إلى بلاد المغرب مع مطلع العهد الحديث عندما قدم الأتراك العثمانيون وحكموا بعض ربوعه.
(1) - محمَّد الشيخ بالحاج: وَأَنَّ هذه أمتكم أمَّة واحدة على الحقّ والإستقامة، المطبعة العربيَّة غرداية. 1988. الحلقة الرابعة ص28 - 29.