القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٨٥

ومن أحفاد هؤلاء النصارى، بل حَتَّى من اليهود وُجد فيما بعدُ عالِمان فقيهان، أحدهما أصله يهوديٌّ أسلم أبوه، والآخر أصله قبطيٌّ مصريٌّ سكن تونس، وَهُوَ مولى لقريش، كلاهما سمع من سحنون وتتلمذ عَلَيه، وبلغ من العلم شأوا بعيدا(1) ويبدو أنَّ ذلك كان بسبب حسن معاملة المسلمين لأهل الذِّمَّة.

ووجدت الكنائس والبيع بكثرة في جبل نفوسة وقراه(2)، والنصارى واليهود سكنوا جنبا إِلىَ جنب مع المسلمين في قراهم، وتعاملوا معهم في مختلف أنواع المعاملات؛ ووُجدت هَذِهِ الكنائس بتيهرت(3). وكان بيت المال يتغذَّى من بين موارده بمورد الجزية التي كان يدفعها أهل الذِّمَّة، فيقطع الإمام الرستميُّ منها وممَّا اجتمع من خراج الأرضين وما أشبه ذلك راتبَه ورواتب «حشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم سنتهم»(4)، وَهَذَا دَلِيل عَلَى وجودٍ معتبر لأهل الذِّمَّة في المغرب الأوسط تماما مثل وجودهم في المغرب الأقصى الذي يذكر ابن أبي زرع أنَّ جزية اليهود السنويَّة تقدَّر بثلاثين ألف دينار تدفعها هَذِهِ الجالية لإدريس الثاني(5).

إنَّ هَذَا الوجود شبه المكثَّف والدائم لأهل الذِّمَّة في بلاد المغرب كلِّها وجدنا أثره في القضاء التنظيريِّ، وفي القضاء الواقعيِّ، فقد سأل سحنون بن سعيد شيخه ابن القاسم عن الحدود تقام عَلَى أهل الكتاب، فأجاب «لا، وأرى أن يردُّهما إِلىَ أهل دينهما، وينكِّلهما الإمام إذا أعلنا بذلك (قال:) وقال

(1) - عياض: تراجم، 380 - 409.

(2) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 141؛ القطب اطْفِيَّشْ: ترتيب نوازل نفوسة (مخ) ق 462؛ البغطوري: سير أهل نفوسة (مخ) ق112.

(3) - ابن الصغير: 69.

(4) - نفسه: 36.

(5) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، 46.

٤٩٢ / ٧٤٣