الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٧ويبدو أنَّ عمرو بن العاص لَمَّا فتح مصر، وعيَّن عَلَى كُلِّ منطقة قاضيا قبطيًّا يفصل في النزاع الدينيِّ والمدنيِّ لأهل الذِّمَّة وفق شرائعهم(1) إِنَّمَا يريد بذلك عدم التَّدَخُّل في شؤون الأقباط الدِّينِيَّة ما دامت الآيَة الْقُرْآنِيَّة واضحة في هَذَا المجال إن شاء الحاكم أن يقضي أو أن يعرض. وَيُؤَكِّدُ مولوي أنَّه منذ البداية ترك الحكَّام المسلمون الفصل في المنازعات بين رعاياهم من غير المسلمين إلى رؤسائهم أنفسهم وكهنتهم ولم يتدخلوا إِلاَّ عندما يتطور النزاع بين غير المسلمين ويصبح محتملا أَنْ يؤثِّر على القانون والنظام(2) ومع كُلّ هذا فإن التنظير القضائي لا يجيز للكافر أَنْ يكون قاضيًا حَتَّى على أهل دينه وهذا قول جمهور الفقهاء يؤكده الأستاذ صبحي محمصاني(3) ويستثني من ذلك أبا حنيفة الذي جوّز تقليد الكافر القضاء على أهل دينه.
ويبدو أنَّ بلاد المغرب الإسلامي، رغم الوجود المعتبر لأهل الذِّمَّة فيها ووجود المذهب الحنفي الذي كان يعتنقه بعض الأمراء الأغالبة إِن لم نقل جلُّهم فضلا عن القضاة، يبدو أَنَّهَا لم تعرف هذا النوع من القضاء فلم يتحدث المُؤَرِّخُونَ وأصحاب السِّير والطبقات عن قضاء خاص بأهل الذِّمَّة من النصارى واليهود إطلاقًا ولم نجد إشارة إلى ذلك في كُلّ ربوعه(4)، ولكن المصادر أشارت إلى حوادث كان الذميون فيها يتقاضون
(1) - أنور الرفاعي: الإنسان العَرَبِي، 210.
(2) - مولي: الإدارة العربية. 210.
(3) - المجاهدون في الحق، 123.
(4) - في الأندلس بخلاف المغرب كان لغير المسلمين قضاؤهم الخاص فمنذ عصر الولاة ترك المسلمون للنصارى في الأندلس الحرِّيَّة السياسية الواسعة وتركوا لهم القضاء فيما بينهم وكان قاضيهم يسمَّى قاضي النصارى وقاضي العجم وكذلك كان لليهود تنظيم قضائي خاص بهم «وهذا لم يحصل نظير له في منطقة أخرى غير الأندلس»، انظر علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، ص 81 - 82؛ عبد الرحمن علي الحجي: جوانب من الحضارة الإِسَلاَمِيَّة، 61.