الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٩٠إنَّ هَذَا اللباس الذي يفرض عَلَى أهل الذِّمَّة ليس من ابتكار المغاربة أو القاضي ابن طالب، وَإِنَّمَا هو من وضع الإسلام منذ عهده الأَوَّل، فعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذِّمَّة يأمرهم «بلبس الغيار(1)، فإن كان يهوديًّا وضع عَلَى كتفه خيطا أحمر أو أصفر؛ وإن كان نصرانيًّا يشدُّ في وسطه زنارا(2) وعلَّق في عنقه صليبا وإن كانت امرأة لبست خُفَّين أحدهما أبيض والآخر أسود. وإذا عبر الذِّمِّيُّ إلى الحماَّم ينبغي أن يكون في عنقه طوق من حديد، أو نحاس أو رصاص ليتميَّز به عن غيره، ويمنعهم … من ركوب الخيل، وحمل السلاح، والتقلُّد بالسيوف، وإذا ركبوا البغال ركبوها بالأكف(3) عرضا من جانب واحد … ولا يزاحمون المسلمين في الطرقات .... ولا يبدأون بالسلام ولا يُرحَّب بهم في المجالس … ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير والجهر بالتوراة والإنجيل وضرب الناقوس ومن إظهار أعيادهم … »(4).
هكذا يجب أن يُعامل أهل الذِّمَّة في دار الإسلام، وعلى القضاة المحتسبين مراقبة ذلك، إِلاَّ أَنَّنَا وجدنا جرأة عند بعض هؤلاء الذمِّيين، وتساهلا عند المسلمين في بلاد المغرب، فلقد تجرَّأ نصراني لقيَ القاضي عيسى بن مسكين (281 - 289/ 894 - 901م) فسلَّم عليه وصافحه دون أن يعلم القاضي بِأَنَّ مصافحة نصرانيٌّ لأَنَّهُ لم يلتزم باللباس المضروب عليه ولمَّا أُعلم القاضي به بعد ذلك
(1) *- الغيار: هو لباس تميَّز بِهِ أهل الذِّمَّة دون غيرهم. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(2) *- الزنار: حزام يشدُّه النصرانيُّ في وسطه تمييزا له من المسلم. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(3) *- الأكف: جمع إكاف، وهو بردعة الحمار. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(4) - الشيزري: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق: د. الباز العريني، دار الثقافة، بيروت. بلا تاريخ، ص:106 - 107.