الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٩١قال «اللهم اقطع يمينه وانتقم منه»(1). ويذكر أبو العرب أنَّه اجتمع ناس يأكلون فدخل إِلَيهِم يهوديٌّ فدعوه إِلىَ الأكل معهم، ولمَّا أقبل إسماعيل بن رباح(2) أحد الزهَّاد والورعين بإفريقيَّة فاختفى اليهوديُّ في غرفة، فَلَمَّا دُعي إسماعيل للأكل مدَّ يده ثُمَّ قبضها فقال لهم: طعامكم نجس، أو أكل منه نجس، فقالوا له «يهوديٌّ طوَّاف، دعوناه فأكل معنا، فقال: أمَا تستحيون! تأكلون مع من كفر بالله؟!»(3) فنزل اليهوديُّ من الغرفة و وَهُوَ يرعد ويرتعش.
إنَّ أهل الذِّمَّة في بلاد المغرب كانوا يمارسون أنواعا من التجارات، ويتعاملون مع المسلمين معاملة الندِّ للندِّ، ووجدوا الحرِّيَّة المطلَّقة في أحضان المسلمين، يتعبَّدون في كنائسهم وبيعهم بِكُلِّ حرية، ولقد تساهل معهم المجتمع الإسلاميُّ إِلىَ درجة أَنَّهُمْ استغلُّوا ذلك التسامح، وتجرَّأوا في بعض الأحيان وجاوزوا الحدود، مِمَّا جعل القضاء يقف ضدَّهم موقفا صارما لإعادة الأمور إِلىَ ما يجب أن تكون.
ولقد تقاضوا إِلى قضاة المسلمين فيما تنازعوا فيه مع الخصوم المسلمين، أَمَّا إن كان النزاع بينهم، يبدو لي أَنَّهُمْ يتحاكمون إِلىَ علمائهم ورهبانهم، وعظماء كنائسهم وبيعهم، لذلك لم يتحدَّث المُؤَرِّخُونَ عن قضايا رُفعت إِلىَ القضاة المسلمين تتعلَّق بشؤون أهل الذِّمَّة فيما بينهم أو خصوماتهم بين أفرادهم، فشرائعُهم السابقة للإسلام يمكن أن تَبُتَّ في ذلك كلِّه دون حرج. ويمكن أن نقول: إنَّ القضاء الإسلاميَّ ترفَّع عن قضايا أهل الذِّمَّة فيما بينهم، وترك لهم الاستقلال والحرية في التقاضي إِلىَ رهبانهم، وبالشرائع التي يؤمنون بها، ويعتقدون عدلها.
(1) - عياض: تراجم، 243 - 244.
(2) - انظر ترجمته في: المالكي: رياض، 1/ 333 - 344.
(3) - أبو العرب: طبقات، 146. هوبكنز: النظم، 121.