القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٤

تكون من السبايا والإماء ظلما وعدوانا، ووقفت في المحكمة زانية فاجرة، تعمل على إفساد المجتمع.

وكان القضاة قد تحرُّوا الخشية والورع في مجالسهم للقضاء بين النساء، وقالوا بأنَّه لا ينبغي للقاضي إذا قعد للنساء أن ينظر إِلَيْهِنَّ نظر الخاطف المفترس، ولا يطول مقالتهنَّ والكلام معهنَّ لأَنَّ ذلك أخشى أن يكون داعية للبلاء، وينبغي له أن لا يقعد للنظر بينهنَّ إِلاَّ وبينه وبينهنَّ حجاب … »(1). ومن هنا عمد بعض القضاة إِلىَ تخصيص يوم للنساء يقضون فيه بينهنَّ، وألزموا أنفسهم سلوكا صارما يبعدهم عن التهمة ومواطن البلاء.

لقد أجمع المُؤَرِّخُونَ عَلَى أنَّ القاضي المخضرم عبد الله بن عمر بن غانم كان يخصِّص للنساء يوما ينظر فيه بينهنَّ، وكان يلبس لباسا خشنا ويلقي عينيه إِلىَ الأَرْض حَتَّى إنَّ الذي لا يعرفه ولم يره قبل ذلك لم يشكَّ أنَّه مكفوف البصر، وكان يزيل الكتَّاب والحجَّاب من بين يديه(2) ويقوم بالعمل كلِّه بنفسه لوحده، حفاظا عَلَى أسرار المسلمات في المجتمع، إذ لا يؤتمن الكتَّاب والحجَّاب في مثل هَذِهِ القضايا الحسَّاسة من إفشاء الأسرار، مع ما في جلوس القاضي لوحده مع النسوة من خلوة قد يكون منهيًّا عنها.

وتذكر الباحثة نوال أنَّ القضاة ـ هكذا بصيغة الجمع ـ كانوا يجعلون يوما خاصا للنساء للنظر في مظالمهنَّ(3)، والحقيقة أنَّ المصادر لم تذكر من القضاة إِلاَّ ابن غانم الذي سلف ذكره، وأبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني (191 - 214هـ) لا غير، هَذَا الأخير الذي كان يجلس للخصوم من الرجال في داره «وجعل للنساء يوما عند بابه الذي في زقاق ابن دينار»(4).

(1) - مجهول: كتاب العمال (مخ)، ق 8.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 228. الرقيق: تاريخ، 194. الجودي: تاريخ (مخ) ق 5 ظ.

(3) - نوال تركي: التنظيمات، 183.

(4) - المالكي: رياض، 1/ 274.

٥٠١ / ٧٤٣