القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٧

ومن المشاكل والقضايا العويصة التي تصدَّى لها القضاء الرستمي في جبل نفوسة، تلك التركات الضخمة التي تركها شهداء معركة مانو عام 283هـ، فمن يرث مَن؟ وماذا يرث؟ وكيف يرث؟ ومن المعروف أنَّ عمروس بن فتح قاضي نفوسة، هو أحد المقتولين في تلك المعركة، وتولىَّ المشايخ القلَّة الذين بقوا عَلَى قيد الحياة، تصفية هَذه التركات، ومنهم الشيخ أبو القاسم البغطوري، والشيخ أبو مُحمَّد عبد الله بن الخير «وكان عادة أهل ذلك الزمان من مات من الأزواج، كان الباقي منهما قاعدا فيما ترك وارثه؛ فَلَمَّا وقعت وقعة مانو مات فيها عامَّة نفوسة، فرأى الشيخ أبو القاسم أن يردَّهم، فيكون القاعد من الأزواج فيما ينسب إِلىَ كُلِّ واحد منهما حيًّا أو ميِّتًا، وكانوا لَمَّا مات نفوسة قام من في حواليهم من البربر ليزوِّجوا [كَذَا] نساء نفوسة، فخاف الشيخ [أبو القاسم] أن ترفع النساء أموال أزواجهنَّ فيتركن يتامى من نفوسة ضعافا، [و] أبى الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن الخير أن يرجع إِلىَ ذلك القول، فقال له أبو القاسم: أنا أكبر منك سِنًّا، وأكثر منك علما … فاستحسن الرجوع إِلىَ ذلك القول، فأخذوا به وحكموا به … فجعلوا كلَّ من له بيِّنة عَلَى شَيْء أخَذَه، فإن لم تكن له بيِّنة كان ما ينسب إِلىَ الميِّت لِلمَيِّتِ فيأخذ منه ورثته … »(1).

إنَّ هَذِهِ الحادثة في هَذِهِ الرواية تحمل أكثر من دلالة، فالرجال النفوسيُّون قُتِّلوا في مَانُو، وكادت أن تبيد القبيلة برمَّتها لولا أن تداركها أبو القاسم البغطوري بذلك الحكم القضائيِّ الحكيم، لقد أُفني الرجال إذن، وطمع البربر في نساء نفوسة الأرامل، وما يمكن أن يجلبن معهنَّ من الأموال التِي يرثنها من أزواجهنَّ الشهداء، إذ كانت العادة أن ترث الزوجة زوجها في كُلِّ ما ترك إن مات قبلها أو العكس يرث الزوج زوجته في كُلِّ ما تركت إن ماتت قبله، ربَّما لاختلاط ملكيَّتهما للأشياء المنقولة وغير المنقولة، والثقة المطلقة التي كانت

(1) - اطْفِيَّشْ القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ) ق 441.

٥٠٤ / ٧٤٣