القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٨

بين الزوجين فيما يملكان معًا، هكذا كانت العادة في ميراث الزوجين بنفوسة؛ إِلاَّ أن الوضعية الاِجْتِمَاعِيَّة التي آلت إِلَيها نفوسة بعد مذبحة مانو اقتضت حكما آخر، وحكمة أخرى وبُعد نظر، وَهُوَ الرجوع إِلىَ أصل الميراث في الإسلام، بحيث تُبيَّن ملكية الزوج الهالك وتفرز عن ملكية غيره ثُمَّ بعد ذلك يتمُّ تقسيم التركة بحيث تأخذ الزوجة نصيبها المفروض لها بنصِّ كتاب الله العزيز، ويأخذ يتامى الهالك نصيبهم دون ضرر ولا ضرار. وهكذا أنقذت نفوسة من الفناء، وأنقذ أولادها اليتامى من الفقر، وأنقذت أراملها من أن تطلبهن القبائل البربريَّة الأخرى طمعا في أموالهنَّ فقط، فيكون نكاحا من أجل المال لا غير. فأين اعتبار جمال المرأة النفوسيَّة، وأين اعتبار دينهنَّ ليكون النكاح أصيلا دائما يرضي الله ويرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن القضايا التي رفعتها المرأة إِلىَ القاضي غياب الزوج الذي خرج مسافرا، فغاب سنين في غانة أو فارس أو غيرها، فكيف تصنع زوجته وقد شكت الحاجة؟ وكان حكم القاضي أَنَّهُ عَلَيها بالصبر، لأَنَّ زوجها في حكم المسافر، وليس بمفقود فزوجته موثوقة حَتَّى يأتي خبر موت الزوج أو طلاقه(1)، واشتكت زوجة أخرى من زوجها الذِي أعطى لها كُلّ ماله مقابل زواجها به وبقيت معه زمانا؛ ثُمَّ إنَّها طلبت منه نفقة يومها فقال لها: لقد قلت لك: إنَّنِي أعطيتك مالي كله وليس عندي غَيره؛ فقالت له: عليك نفقتي عشاء وغذاء. وكان حكم الإمام القاضي أفلح بن عبد الوهَّاب للمرأة عَلَى الرجل لأَنَّ النفقة عَلَى الرجل حتَّى وإن كان للمرأة مال يجب عَلَى الرجل أَن ينفق عليها بقدر استطاعته(2).

ولم ينج بعض مشايخ نفوسة من الشكوى ضدَّهم عند القاضي؛ فهذا أبو

(1) - عبد الوهَّاب: مسائل، 122.

(2) - أفلح بن عبد الوهَّاب: جوابات أفلح (مخ)، ق 3.

٥٠٥ / ٧٤٣