القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٠

الفاعلة»، وبالغ في ذلك، والقاضي حليم عنه لم يمسسه بسوء، ولم يشتطَّ معه في حكم، ولمَّا تبيَّن لابن زرعة الحقُّ، واعترف عند القاضي بخطئه، واستغفره، فقال له ابن غانم «أمَّا هَذَا فلست أفعله حَتَّى نخاصمك بين يدي الله، وَأَمَّا أَن ينالك منِّي شَيْء مكروه في الدنيا فلا»(1)، وكان ذلك من تمام حلم القاضي ومن تمام عدله، ولم نجد أحدا تجرَّأ عَلَى القاضي بالسبِّ ببلاد المغرب ما عدا ابن زرعة هَذَا الرجل النكرة.

ووقف رجلان عند الأمير إبراهيم الثاني بن أحمد يشتكيان من السَّيِّدة أمِّه فقالا له: كُنَّا شريكين معها في جمال وغيرها من البضائع التجارية فاحتبست لنا ستَّمائة دينار نريد منها تسديدها، فأرسل الأمير إِلىَ أمِّه يقسم لها أنَّه إِن لم توجِّه إِلىَ الرجلين بالمال فَإِنَّهُ سيجعلها تقف في التوِّ واللحظة مع خصميها في مجلس القضاء عند عيسى بن مسكين، إِلاَّ أَنَّ الأمَّ اعترفت بالمال وأرسلته في التوِّ واللحظة إِلىَ أصحابه(2).

ولم تصادفنا حوادث شكوى الزوج من زوجها الذي يضربها، ولكنَّ العكس حصل، فَهَذَا الشيخ أبو صالح جنون بن يمريان(3) أحد مشايخ وارجلان تضربه زوجته بلطمة حَتَّى ارتسمت آثار أصابعها في خدِّه فشكاها إِلىَ شيخه القاضي أبي يوسف يعقوب بن سهلون الطرفي، وقال له: -مشيرا إِلىَ زوجته القبيحة الشديدة الفظة- إِنَّهَا ضربتني البارحة بمقلاة «فصيرته طوقا في عنقي» فما كان من الشيخ أبي صالح إِلاَّ أَن يقول: «أنت أنت … »(4)، أي أنت صبور عَلَى هَذِهِ المرأة الشرِّيرة وما الحيلة وما الحكم؟

(1) - عياض: تراجم، 17. الرقيق: تاريخ، 193.

(2) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، 2/ 152 - 153.

(3) - انظر ترجمته في الدرجيني: طبقات، 2/ 341 - 345.

(4) - الدرجيني: نفسه، 2/ 344 - 345.

٥٠٧ / ٧٤٣