الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٠١احتسب أجرك عند الله، فالطلاق أبغض الحلال عند الله يا شيخ وربما آذت غَيرك بعدك وتكون ظالما.
ومن القضايا الكبرى التي وقف فيها القضاء الأغلبي شامخا وهزَّ العروش ولم يهتزَّ وبقي قويا مستقلا صامدا قَضِيَّة نساء تونس اللائي سباهنَّ بعض القواد في الجيش الأغلبي بعد القضاء عَلَى انتفاضة القويبع بتونس خلال سنوات (234 - 236هـ/ 849 - 850)(1).
لقد وقعت نساء المدينة في السبي وعوقبت تونس بشدَّة، وراحت نساؤها يدفعن ثمن ثورة أهل تونس مع القويبع، ويكفِّرن عن حمق أقاربهنَّ وأزواجهنَّ، عَلَى حدِّ تعبير محمَّد الطالبي، فنقل الجنود والقواد كلٌّ حسب مقامه ورتبته عددا من المسبيات الحرائر في الأصل، وكان العدد معتبرا، وتفرَّقن في مختلف أنحاء البلاد حسب هوى المساومات ومقتضى مواقع الجنود والقواد العائدين إِلىَ بيوتهم(2).
كان سحنون بن سعيد هو القاضي في هَذِهِ الفترة، وَهُوَ في بداية ولايته، إذ لم يمرّ عَلَيها بعد أكثر من عامين، وقد بدأت الثورة فعلا مع بداية عهده، وانتهت بهذا الشكل من انتهاك الحرمات، واستعباد الحرائر من النساء القرشيَّات بله العربيَّات وغيرهنَّ، فأخبر القاضي سحنون بدخول بعض القواد إِلىَ القيروان، ومعهم عدد من المسبيات، فراح وحرَّرهنَّ من السبي، ووصلت الشكوى عند الأمير محمَّد الأَوَّل الأغلبي الذِي أمر قاضيه بإعادة النساء إِلىَ القائد، وأنَّى لسحنون أَن يسمع لأمر الأمير ويصمَّ عن أمر الله وَهُوَ القاضي الضامن للعدل، وكادت أَن تصل القَضِيَّة إِلىَ ما لا تحمد عقباه بين الأمير والقاضي، بين الإمارة والقضاء، لولا تعقُّل الأمير وتفكيره الجدِّيُّ في أصل هَذِهِ النسوة، وتفهُّمه لصرامة
(1) - انظر عن هَذِهِ الانتفاضة وتفاصيلها الدقيقة: د. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 265 - 270.
(2) - الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 268. زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 96 - 97.