الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٢قاضيه سحنون في هَذِهِ القَضِيَّة بالذات، إذ تُبودلت الرسائل بينهما، وذهب الرسل وجاءوا بينهما مرارا. بدأ القاضي ليِّنا في أجوبته الأولى عَلَى أوامر الأمير مثل قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُمُ، إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النَّارِ﴾(1)، ثُمَّ تمادى الجند والقواد في سبيهنَّ فاحتدَّ القاضي ولم يستطع أَن يتمالك نفسه تجاه هَذَا المنكر الصراح الذي سبق أَن حكم فيه، فكان ردُّه عَلَى الأمير هَذِهِ المرَّة لَمَّا أمره بصرف النساء إِلىَ قائده زوكاي بن زريخ، وَهُوَ صاحبهنَّ قائلا «بلِّغ الأمير بالله الذي لا إله إِلاَّ هو، لا أخرجتهنَّ من داري حَتَّى يعزلني، ويعلم الله أَنِّي لا نظر لي ولا قضاء عَلَى رجلين»(2). ثُمَّ دعا ابنه محمَّدا وأخرج إِلَيهِ سجلَّه وقال له قل للأمير «جعل الله زوكاي شفيعك عنده يوم القيامة»(3). ووصلت العبارات بتمامها إِلىَ الأمير مع قسمه بالله ورفضه القضاء، وطلبه الاستقالة.
وماذا عسى أَن يفعل الأمير تجاه هَذَا القاضي الشديد في الله، الذِي لا يخاف لومة لائم إِلاَّ أَن يرعوي ويعود إِلىَ الحقِّ، ويقول في جوابه إِلىَ سحنون مع ابنه محمَّد «اقرأ عَلَى الشيخ السلام وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنَّا وعن المسلمين خيرا؛ فقد أحسنتَ أَوَّلاً وآخرا، وقمت بما يجب عليك، امض عَلَى أحسن نظرك إِن شاء الله»(4)، وخرج القاضي سحنون منتصرا من هَذَا الامتحان القضائيِّ الكبير، منتصرا لِلْحَقِّ أَوَّلاً، وللنساء الحرائر ثانيا، ولنفسه ثالثا، وحرِّرت النساء التونسيَّات حيثما وجدن في أقاليم الدولة الأغلبيَّة، وكُلِّف بذلك محتسبون اختارهم القاضي سحنون، وكلَّفهم الأمير بالمهمَّة بسجلٍّ رسميٍّ، وأمر
(1) - سورة غافر الآية 41.
(2) - الدبَّاغ: معالم، 2/ 91. وانظر: أبو العرب: طبقات، 234 - 235. الجودي: تاريخ قضاة القيروان، (مخ)، ق 11 - 12.
(3) - الدبَّاغ: نفسه، 2/ 92.
(4) - نفسه، 2/ 92.