الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٣سحنون المحتسبين أَن يفتِّشوا عن النساء ولو بكشف براقعهنَّ، ويسألهنَّ عن وضعيَّتهنَّ، وقد تمكَّن من تخليص نساء كثيرات زُعم أَنَّهُنَّ من سبي تونس، وأرسلن إِلىَ سحنون بفكِّ أسرهنَّ وسبيهنَّ وإعادة الحرِّيَّة إِلَيهِنَّ(1).
لقد كان سحنون صارما في الحقِّ، وكان الأمير في عهده ليِّنا عَلَى ما يبدو، يخطئ فيعود إِلىَ الحقِّ، والأمر على غير ذلك مع القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب تلميذ سحنون، والأمير إبراهيم الثاني بن أحمد الذِي اجتمعت فيه كلُّ صفات القسوة والشِّدَّة والغلظة؛ فلقد أقدم عَلَى عزل قاضيه ثُمَّ سجنه وتعذيبه ثُمَّ قتله، لا لشيء إِلاَّ لأَنَّهُ قال كلمة حقٍّ مجرَّدة في فعل ارتكبه وبأمر منه جند إبراهيم الثاني من السودانيِّين على نساء "إبيانة" حين أباحهنَّ لهم لَمَّا امتنع أهلها من بيع "إبيانة" له، فقد أتت امرأة بفرعة(2) ابنتها في ثوب فألقته بين يدي ابن طالب، فترجَّع وتوجَّع وقال «ما أراه يؤمن بالله، أو هَذَا فعل الدهريَّة، ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر»(3).
لقد كانت قضايا المرأة في مجالس القضاة من أشهر القضايا وأكثرهنَّ حدَّة وتشابكا، ألم يرم القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ خاتمه وقمطره للإمام أبي اليقظان بسبب اختطاف فتاة قيل إنَّ ابنا لأبي اليقظان هو خاطفها إِلاَّ أَنَّ القاضي لم يتمكَّن من الْبَيِّنَة الصارمة ليصدر حكمه(4).
ثُمَّ ألم ينعزل القاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم عن القضاء ليزيد بن حاتم بسبب فضِّ هَذَا الأخير لكتاب الحُكم لصالح امرأة من خواصِّ نساء
(1) - نفسه، 2/ 92. الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 270 - 271. نوال تركي: التنظيمات، 201.
(2) * - الفرعة من أفرع لها الدم: بدا لها، وافترع البكر افتضَّها، والفرعة دمها، وقيل له افتراع، لأَنَّهُ أَوَّل جماعها. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1083، مادَّة "فرع".
(3) - الدبَّاغ: معالم، 2/ 173. وانظر: أبو العرب: المحن، 473.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 79 - 80.