القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٥

إنَّ المسغبة وأيام الشدَّة قد تؤدِّي إِلىَ بيع البنات من أجل لقمة العيش ولكن عند انفراجها يعود العقل والتعقُّل ويطالب بإعادة الحرَّة إِلىَ حرِّيتها؛ ثُمَّ مرَّة أخرى ألم يكن شيخ الشراة المراقب للقضاة أبو المهاصر صارما مع القاضي عبد الله بن الخير لَمَّا أمره بالحكم عَلَى الفتاة لصاحبها «وإلاَّ جعلت خشبة في النار» إِنَّهَا قَضِيَّة امرأة!.

ولا تزال قضايا المرأة تترى عَلَى القضاء وتقف بسبب أفعالها أمام القضاة، ومن أهم أفعالها الفجور والزنا ولكن في كثير من الأحيان يكون المجتمع هو المسؤول والرجل فيه بالذات؛ فقد قطع قاطع عَلَى امرأة عفيفة من "أرجمان" بنفوسة طريقها واعتدى عَلَى شرفها فحملت منه؛ وكان ذلك بعد العهد الرستُمي بقليل؛ فأشارت عليها عجوز بفكرة آتت أكلها، إذ تعلَّقت بالشيخ أَبِي يحي يوسف بن أبي محمَّد ملي الدرفي فقال لها إذا ولدت فقولي هو لفلان؛ فولدت صبية فأرسل إِلَيها بجميع ما يحتاج إِلَيهِ مثلها. وكان أبو يحي حاكما بالجبل بعد أبيه(1)، ولحسن حظِّها لم يشكّ في أمرها ولم يقم عليها الحدَّ.

وظهر حمل من امرأة من أهل أبي مهاصر من غير زوج فأخفت حملها، ففطن بها الشيخ، فَلَمَّا حضرها الطلق دخلت خربة فولدته فيها، وكان أبو مهاصر يراقبها، فدخل عَلَيها وقال لها «يا فلانة، احذري من أَن يغرَّك الشيطان بقتله، فقالت: إِنِّي مغلوبة … فقالت: قد وجدني أبو مهاصر، أدبِّر كيف أفعل به، فسلَّمه الله عَلَى يد الشيخ، فهيَّأ لها الشيخ كلَّ ما تحتاج إِلَيهِ المرأة إذا وضعت»(2). لقد قيَّض الله لهاتين الفتاتين حكَّاما فقهاء راعوا ظروف المجتمع وملابسات الحمل.

(1) - الشمَّاخي: سير، 286 - 287.

(2) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق 180. الشمَّاخي: سير، 201. وانظر مسألة عن مثل هَذِهِ المرأة هل تتولىَّ أم يُتبرَّأ منها عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 110.

٥١٢ / ٧٤٣