القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٦

ويشبه هَذَا ما كان يقوم به أحد نسَّاك إفريقية، وَهُوَ مروان بن عبد الرحمن اليحصبي أبو عيسى(1) الذي كان إذا بلغه عن المرأة أَنَّهَا فاسدة تزوَّجها فأحصنها التماس الثواب، فإذا رأى أَنَّهَا قد نزعت عنها فسادها وصلحت فارقها فأصلح بهذا السلوك غير واحدة من الفاسدات(2).

ولا بأس من ذكر هَذِهِ الفتاة الصالحة العمياء من أهل تاغرويت(3) وقصَّتها أَنَّهَا غلبت عَلَى نفسها فحملت، وخافت من أخيها فهربت حَتَّى أتت عجوزة، فولدت عندها غلاما، فاحتال أخوها حَتَّى رأى العجوز ليلة اشتغلت ببعض ما يهمُّها، فدخل فوجد أخته تطحن فذبحها فخرج، ولمَّا دخلت العجوز وجدتها مذبوحة، وولدها يرضعها(4)، وتضيف الرواية أَنَّهُ لَمَّا دفنت « … رآها بعض الصالحين في الليلة المقبلة في المنام … »(5).

إنَّ الزنا لم ينج منه مجتمع منذ أَن وجد الذكر والأنثى؛ ففي أفريقية الأغلبية يتحدث يحي بن عمر عن دور البغاء ويسمِّيها دور الأذى والفجور(6) فقد أوتي إِلىَ سحنون بن سعيد بامرأة يقال لها «حكيمة» كانت تجمع بين الرجال والنساء فضربها وحبسها بعد أَن تأكَّد من التهمة باستفاضة الخبر عليها؛ ثُمَّ أمر بدارها وكر الفساد فطيِّن بابه بالطين والطوب وكانت هَذِهِ المرأة خلاَّسية(7). ولم تنته إجراءات سحنون وحكمه

(1) - انظر ترجمته في: أبو العرب: طبقات، 154 - 155. انظر هامش 4 ص 154.

(2) - أبو العرب: نفسه، 154 - 155. ولكن أَلا يمكن أن يكون الطلاق لمثل هَذِهِ المرأة مدعاة للعودة إِلىَ سالف سيرتها؟.

(3) - "تاغرويت" قرية قريبة من لالت بجبل نفوسة، وأهلها زناتة. انظر: الشمَّاخي: سير، 296.

(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق 14. الشمَّاخي: سير، 295.

(5) - الشمَّاخي: سير، 295.

(6) - أحكام السوق: 133.

(7) * - الخلاَّسية من النساء: هي التي أحد أبويها زنجيٌّ والآخر أبيض، وربَّما الأدقُّ هو أن تكون أمُّها سوداء وأبوها عربيًّا، فإذا كانت الفتاة بين لونيهما قيل لها خِلاَّسيَّة، والغلام خِلاَّسيٌّ. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 877، مادَّة "خلس".

٥١٣ / ٧٤٣