الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١١الإسلامي ونقاوته، وكلّ ذلك ضمن الأحكام العادلة التي حرصوا على إصدارها وتطبيقها.
وتبعا لمساهة القضاء في المجتمع والحياة الاجتماعيَّة بتوفير أسباب الطمأنينة والهدوء فإنَّ للقضاة أيضًا آثارهم الإيجابيَّة في الحياة الاقتصاديَّة بفضِّ المنازعات التجاريَّة، بل إنَّ القضاء الأغلبي ابتكر خطَّة المظالم وخصَّص لها من يقوم بها (صاحب المظالم) وهي الخطَّة التي تهتمُّ بمجريات السوق وتفض الصراعات التي يمكن أن تحدث في تلك الأسواق أثناء المعاملات التجاريَّة وفرض على الصيارفة قراءة «كتاب الصرف» حتَّى يمنعوا المعاملات الربويَّة، وكثيرا ما بت القضاء في المغرب الإسلامي في مشاكل الزراعة والمزارعين من أرض وبذور وفلاحين أُجرَاء، وأغنام ودواب، ومياه وما إلى ذلك(1).
فالقضاء إذن: آثاره الأولى التي لا بدَّ أن تكون، وإلاَّ انعدم القضاء، إِنَّمَا هي في الحياتين الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بالدرجة الأولى، وهو ما سبقت الإشارة إليه، ففصول هذا البحث كلّها وبين ثناياها، إِنَّمَا الاهتمام منصبُّ فيها نحو هذا الجانب بالذَّات.
أمَّا فيما عدا هذين الجانبين، فإنَّ القضاء ترك آثارا عميقة وباقيَّة في النواحي السياسيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة.
إنَّ القاضي في المغرب الإسلامي ساهم بقسط كبير في الصعيد السياسي والإداري، فقد كان بعض ولاة المغرب يُسنِدون أمر الولاية إلى بعض القضاة لمَّا يغادرون في مهام رسميَّة، فعندما خرج والي المغرب كلثوم بن عياض لمحاربة المتمرّدِين قرب مدينة طنجة في المغرب الأقصى، استخلف في القيروان القاضي عبد الرحمن بن عقبة الغفاري (123 - 123هـ) نائبا عنه ليقوم مقامه بمهام الولاية السياسية(2).
(1) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق18و، 18ظ، 76و.
(2) - الرقيق: تاريخ: 76 - 77 النويري: نهاية الأرب (المغرب) 216.