الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٣بابنا؟» فقال له «رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحا»، فقال له المنصور «لعلَّه فيما بعُدَ من بابي؟»، فقال له «كلَّما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ»، عندئذ قال له المنصور «أنت لا تهوى الدخول في شيء من أمرنا»(1) ولكنَّه عاد من هناك قاضيا لإفريقية مرَّة ثانية لتحمل مسؤوليَّة العدل والجور في البلد.
إنَّ هذا القاضي الذي تولَّى القضاء في فترة جدُّ مضطربة (قبل سنة 132هـ ثمَّ 145 - 158هـ) شهدت بداية سقوط الأمويين وقيام العباسيين في المشرق، ثمَّ ثورة البربر العارمة في المغرب، وما تبع ذلك من اضطرابات سياسيَّة من أكبر مظاهرها المنافسة على منصب الولاية بكلّ الوسائل، ويتجَّلى ذلك في شخص عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الذي خرج في جمادى الأولى سنة 127هـ/744م من الأندلس بعد مقتل أبيه حبيب، فاستتر وركب البحر إلى تونس، فنزل بها ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه، وأراد حنظلة بن صفوان الوالي على إفريقيَّة (124 - 132هـ/741 - 749م) الخروج إليه والزحف لقتاله إِلاَّ أنَّه كره إراقة دماء المسلمين بالمسلمين، وحاول أن يراجعه بالتي هي أحسن، ولكن عبد الرحمن بن حبيب أبى إلاَّ الولاية لنفسه مستغلا الظروف السياسيَّة المضطربة التي سبق وأن أشرنا إليها. وهنا جاء دور القاضي ابن أنعم السياسي إذ لمَّا رأى حنظلة إصرار عبد الرحمن وعزمه على الاستيلاء على الولاية مهما كانت الظروف والوسائل والنتائج؛ وكان حنظلة رجلا ديِّنا خيِّرا. هنا «دعا القاضي وجماعة من أهل الفضل والدين، ففتح بيت المال بحضرتهم وأخذ منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: "ما أنا بماس منه إلاَّ بقدر ما يكفيني ويُبلغني" ثمَّ شخص عن إفريقيَّة في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة»(2).
(1) - المالكي: رياض 1/ 155 - 156، 160. نوال تركي: التنظيمات. 176.
(2) - الرقيق: تاريخ 87. ابن عذاري: البيان 1/ 60. النوري: نهاية الأرب (المغرب) 219.