القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥١٤

فَهَذَا الإجراء ليس مجرَّد شهادة يشهدها القاضي ويدلي بها عند الضرورة، فهذا ليس من مهام القاضي الحقيقيَّة في شيء، وإنَّما هي أمور سياسيَّة تتعلَّق بأوضاع المغرب الإسلامي عموما، وبإفريقية خصوصا. ومن هنا فإنَّ تلك الشهادة شهادة سياسيَّة، وليست قضائيَّة تساهم في إعادة الأمن والطمأنينة إلى البلد.

ومن مساهمات القضاة في السياسة استشارتهم في العلاقات الدبلوماسيَّة، فالأمير إبراهيم بن الأغلب لمَّا جاءه كتاب من إدريس الثاني، يستعطفه فيه ويسأله الكفَّ عنه ويذكِّره بقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(1). جمع كبار رجال إمارته منهم يحي بن الفضل صاحب بريده، وابن عوانة الكلبي أحد المقرَّبين إليه وابن غانم عبد الله بن عمر القاضي، فشاورهم في أمر إدريس وتكلَّم معهم بكلام كثير، فقالوا له «أصلح الله الأمير … إنه لم يظفر بمثل ظفرك ولا كان له مثل ما كان لك، فدع ابن إدريس ما وادعك وارض لك وله بالسلامة وهدوء الريح … »(2)، عندئذ اقتنع الأمير برأي مستشاريه وبخاصة منهم القاضي ابن غانم أحد المقرَّبين جدًّا من الخليفة العباسي المنصور الذي اشتهر بملاحقته لآل البيت وتقتيلهم في كلّ مكان لمَّا رفعوا ضدَّه السلاح وأقاموا الثورة عليه(3). ومن هنا يكون هذا القاضي قد ساهم فعلا في استتباب الأمن بالمغرب الإسلامي عموما وكفّ إبراهيم بن الأغلب من حبك المؤامرات ضدَّ الأدارسة الأمر الذي عاد بالاستقرار ولا شكَّ على هذه الدولة.

ويبدو أنَّ القاضي سحنون بن سعيد لم تصله أخبار هذه الاستشارة السياسية، أو أنَّه كان سياسيا عرف كيف يتنصَّل من إبداء رأيه السياسي

(1) - النويري: نهاية الأرب (المغرب) 254. سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة 99.

(2) - الرقيق: تاريخ 190. نوال تركي: التنظيمات. 178. سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة: 99.

(3) - انظر في هذا الشأن: يوسف العش: تاريخ الخلافة العباسيَّة، دار الفكر دمشق ط1، 1402/ 1982، ص 36 وما بعدها.

٥٢١ / ٧٤٣