الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٥اتّجاه ثورة القويبع التي سلف ذكرها، وذلك لمَّا قال بعض القواد للأمير محمَّد الأوَّل بن الأغلب «سحنون داعية مطاع، فأمره ينصرك على هذا الخارجي، فبعث فيه الأمير وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وأن يُعلم الناس بفرض ذلك عليهم، فقال سحنون: غشَّك من دلَّك على هذا، متى كانت القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها؟ ونهض من عنده»(1).
إنَّ سحنون لم يرد أن يخاطر لا بدينه ولا بدنياه، فضَّل الاحتراز والحياد. فإن نالت ثورة القويبع رضا عند بعض العلماء وساندتها العامةفي تونس بسبب الظلم الذي استفحل في تلك السنين من الأمراء، فإنَّ سحنون توقَّف لم يساند الأمير الظالم، ولم يعط موافقته على الثورة بخاصة وأنَّ الفكر السني يرفض الثورة على السلطان ولو كان جائرا(2) فسحنون حامي حمى السنَّة في إفريقيَّة لا يمكنه أن ينقلب هكذا بسهولة إلى فكر الخوارج الذي يرى أنَّ رفع السلاح على السلطان الجائر جزء من العقيدة الإسلاميَّة، وهكذا سلَّ نفسه من هذا الخلط السياسي، كما تستلُّ الشعرة من العجين.
ولمَّا قامت ثورة منصور الطنبذي(3) سنة 209هـ/ 824م بتونس أرسل الأمير زيادة الله الأوَّل وفدا إلى هذا الثائر من بينهم قاضي تونس شجرة بن عيسى يناشدون الطنبذي الله ويرغِّبونه في الطّاعة والهدوء، ويبدو أنَّ الثائر راوغ الوفد في ردِّه، وحبس القاضي ومن معه في قصره، وأخذ دوابَّهم ليحمل عليها أصحابه، وعمل فيهم السيف إلاَّ من هرب بحرا(4)، وكان القاضي من الهاربين من هذه
(1) - القاضي عياض: تراجم 109. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة 256 - 266. زغلول: تاريخ. 2/ 95.
(2) - انظر المزيد في محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة. 266.
(3) - عن هذه الثورة وتفاصيلها انظر خاصَّة محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة 190 وما بعدها.
(4) - ابن عذاري: البيان 1/ 98 - 99. النويري: نهاية (المغرب) 259 - 260. حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 3/ 283 - 284.