الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٦المذبحة، وتقدَّم منصور الطنبذي، واستطاع أن يحاصر الأمير زيادة الله في القصر القديم، وملك القيروان وإفريقيَّة، ونزل بعسكره بين شرقي القيروان وقبلِيها، وخندق خندقا هناك، ويبدو أنَّ الأمير لا يزال يرى الحلَّ بيد قضاته، إذ بعد الوساطة التي قام بها شجرة بن عيسى قاضيه بتونس، والتي لم تؤدِّ إلى نتيجة إيجابيَّة، فها هو الثائر الآن بالقيروان، أرسل إليه الأمير قاضييه معًا أسد بن الفرات وأبا محرز، فخرجا إليه ودخلا عليه، وعنده وجوه الأجناد وغيرهم ودارت بين الثائر والقاضيين مفاوضات سياسيَّة تجاوزت المهمَّة المنوطة بالقاضيين إذ طمع منصور الطنبذي في اكتسابهما إلى جانبه(1) فقال لهما: أخرجا معنا؟ أمَا تعلمان أنَّ هذا البائس ظلم المسلمين؟ فأمَّا أبو محرز فإنَّه خاف من المنصور وأصحابه فقال: نعم وظلم اليهود والنصارى. وأمَّا أسد فقال لهم: «قد كنتم أعوانا له قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، وكما وسعنا الوقوف عنه وحده … فصال عليه بعض الجند، فانصرفا جميعا وهما خائفان»(2)
لقد عرف القاضيان كيف يؤدِّيان هذه المهمَّة السياسيَّة الصعبة مع ثائر عنيد قد فشل قبلهما أخوهما القاضي بتونس معه فيها ونجا من الموت هربا، وكان أسد بن الفرات أقوى وأشجع، وعرف كيف يجد التوسعة الفقهيَّة له ولأميره، وكأنَّه أخبر الثائر وبطريقة غير مباشرة بأنّ فعله هذا باطل لذلك صال عليه بعض الجند والمهم أنَّه نجا ونجا معه أبو محرز، ولم تدم الثورة بعد ذلك طويلا حتَّى سحقت عام 211هـ/826م.
(1) - لقد طمع في مساندة أسد بن الفرات قبل الطنبذي ثائر آخر: هو عمران بن مجالد الربعي سنة 195هـ/810 لمَّا انتقض على ابن الأغلب بتونس وسار إلى القيروان فملكها «وكان يبعث إلى أسد بن الفرات القاضي في الخروج إليهم وامتنع» إنَّ أسدا في هذا التاريخ لم يتولَّ بعد منصب القضاء. انظر ابن خلدون: العبر 4/ 420 - 421.
(2) - المالكي: رياض 1/ 270. ابن عذاري اليمان: 1/ 100.