القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥١٧

ومن مساهمات القضاة في السياسة كذلك، تلك الشهادة السياسيَّة التي حضَرها "قضاة القيروان" هكذا بصيغة الجمع في بعض الروايات، ولعلَّ المقصود هو قضاة إفريقية أو بعضا منهم فهؤلاء القضاة حضروا تأكيد ولاية العهد بين أب وابنه وعدم منافسة العمِّ لابن أخيه إلى درجة أنَّ هذا العمَّ أقسم خمسين يمينا بأنَّه لا ينازع ابن أخيه الملك، ويتعلَّق الأمر هنا بالأمير أبي الغرانيق الذي أوصى أخاه إبراهيم الثاني ابن أحمد بابنه خيرًا، وكان صبيا، وحضر هذا الاجتماع وهذه الأيمان المغلَّظة "مشيخة الأغلب وقضاة القيروان وفقهاؤها … "(1)

ولم تجدِ تلك الأيمان شيئًا لأنّ أهل القيروان وفقهاءها خلعوا هذا الصبي مباشرة بعد وفاة أبيه عام 261هـ/874م ونصبوا الذي كان قد أقسم أنَّه لا ينازع ابن أخيه رغم أنَّه أبدى شيئًا من المقاومة والمعارضة إلاَّ أنَّ الفقهاء وربَّما منهم القضاة وجدوا له الحيل الفقهيَّة التي بها يتنصَّل من أيمانه، وينقض عهده(2)، وعرفوا بل ساهموا في المراوغات السياسيَّة وأجازوا للسلطان نقض الأيمان والعهود يقول ابن الأبار مستنتجا ومستنكرا هذا الفعل «فابتلاهم الله بظلمه وامتحنهم بإسرافه، حتَّى سمُّوه "الفاسق"»(3).

إنَّ للقضاة في إفريقيَّة خصوصا وفي المغرب عموما بعض مساهماتهم السياسيَّة والإداريَّة نجحوا في كثير منها، وفشلوا في بعضها، وأظهروا إلى جانب علمهم بالفقه والقضاء مقدرة سياسيَّة لا بأس بها.

(1) - ابن الأبار: الحلَّة 1/ 171. النويري: نهاية (المغرب) 271. زغلول: تاريخ 2/ 113. الطالبي: الدولة الأغلبيَّة. 297. يوظِّف الطالبي مصطلح «قاضي قضاة القيروان» وهو مصطلح لم نجده أبدا في المصادر، ما عدا مرَّة واحدة ذكره الخشني. ويبدو أنَّ الطالبي أراد أن يجد بديلا عن «قضاة القيروان» صيغة الجمع هذه فوظَّف مصطلح «قاضي قضاة القيروان».

(2) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة: 297. وانظر بن عذاري: البيان: 1/ 116.

(3) - ابن الأبار: الحلَّة 1/ 171. انظر عن أفعاله الشنيعة وظلمه وقتله للقاضي ابن عمه عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي: ابن عذاري: البيان 1/ 117 - 119، 124 - 131.

٥٢٤ / ٧٤٣