الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٨المبحث الثاني
أثر القضاء في الشؤون العسكريَّة والحربيَّة
بداية لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ قاضي الجند الوحيد الذي ذكرته المصادر وهو أبو سعيد جعثل بن هاعان بن عمير بن اليثوب(1)، لا بدَّ أن تكون مهمَّته القضائيَّة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجند والجيش الذي عُيِّن عليه قاضيا، وعين كلثوم بن عياض قائدا، ومن المعروف أنَّ كلثوما هذا لم يتوقَّف بالقيروان وإنَّما غادرها، وترك بها القاضي عبد الرحمن بن عقبة الغفاري(2) نائبا عنه في مهمَّة سياسيَّة تضاف إلى أعمال القضاة السياسيَّة، والذي يهمُّنا من هذا هو أنَّ قاضي الجند المذكور استمرَّ مع الجيش القادم من المشرق مع كلثوم إلى المغرب الأوسط حيث المواجهات العسكريَّة والحروب المتتالية، وهو مالم تذكر المصادر، ولكنَّ سياق الأحداث والمهمَّة التي كُلِّف بها هذا القاضي كونه «قاضي الجند» تقتضي مسايرة الجند والجيش في حلِّه وترحاله في حربه وسلمه.
إنَّ هذا الجيش لقي هزيمة ساحقة في معركة "بقدورة"(3)، وقُتل قائده كلثوم، ولمَّا وصل هذا الخبر إلى إفريقيَّة، وكان بها عبد الرحمن بن عقبة الغفاري القاضي خليفة لكلثوم، كما قد أسلفنا، سار هذا الأخير إلى عكاشة بن أيُّوب الفزاري زعيم الثائرين الصفريَّة الذي قام بقابس وثار، واستطاع عبد الرحمن بن عقبة القاضي أن يهزم عكاشة، ويقتل كثيرا من أصحابه، وانهزم الباقون وتفرَّقوا، وقوي نفوذ القاضي القائد عبد الرحمن بن عقبة بإفريقية، إلاَّ أنَّ
(1) - المالكي: رياض 1/ 114. الدبَّاغ: معالم 1/ 202.
(2) - الرقيق: تاريخ 76 - 77. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 216.
(3) - عن المواجهة الحربية بين هذا الجيش الضخم، والبربر الخوارج، والهزيمة الساحقة التي لحقت به في معركة "بقدروة" بالقرب من تيهرت، انظر: د. عبد العزيز فيلالي: المظاهر الكبرى 58 - 62.