الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٢سفينة(1). ولمَّا خرج على الجيش متوجِّها إلى سوسة ليركب منها إلى صقليَّة، خرج معه وجوه أهل العلم ووجوه الناس، وأمر الأمير زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلاَّ خرج لتشييعه فركب أسد في جمع عظيم، وموكب مهيب، فلمَّا رأى ذلك، وقد صهلت الخيول، وضربت الطبول، ونشرت البنود قام خطيبا في الحاضرين، وقال «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ثمَّ قال: معشر الناس! والله ما وُلي لي أب ولا جدٌّ ولاية قطُّ، وما رأى أحد من سلفي هذا قطُّ! وما رأيت ما ترون إلاَّ بالأقلام! فأجهدوا أنفسكم، وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، وكابدوا عليه، واصبروا على شدَّته فإنَّكم تنالون بِهِ الدُّنيا والآخرة»(2).
إنَّه العالم الذي يوجِّه نصيحته للعلماء ولطلاَّب العلم، ولسائل يسأل ما موقع هذه النصيحة في ذلك الظرف، وأمام ذلك الحشد من الجنود؟
إنَّ أسدا أراد بها أن ينوِّه بالعلم في أدقِّ اللحظات وأكثرها نسيانا للعلم سواء أكان ذلك بالنسبة للجند أو بالنسبة للذين جاؤوا لتشييع الجيش في هذه المهمة العظيمة، وأن يذكِّر الغافلين بأنّ العلم هو الخير كلّه في الدُّنيا والآخرة، ثمَّ كأنَّه يريد أن يقول إنَّ هذه الحملة لفتح صقليَّة ستتبع ما يقوله علم الفقه، وسوف لن تكون للنزهة أو الغنيمة، وقد قالها قبل صراحة «ما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنَّة»(3).
أقلعت السفن من سوسة في ربيع سنة 212هـ الموافق ليوم 14 حزيران (جوان) 827م، وبعد ثلاثة أيَّام نزلوا بمدينة مازر(4) إحدى المدن الساحليَّة الغربيَّة
(1) - مارتينيو: المسلمون في صقليَّة 9. وانظر: ابن عذاري: البيان 1/ 102. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 7 ظ.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 23.
(3) - المالكي: رياض 1/ 637. الدوري: صقليَّة 36.
(4) - ابن خلدون: العبر 4/ 425 - 426. ابن عذاري: البيان 1/ 102، مارتينيو: المسلمون في صقليَّة 9. الدوري: صقليَّة، 49.