القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٢٣

للجزيرة، وكان الصقليُّون يفوقون المسلمين عددا وعدَّة(1) يذكر المالكي(2) أنَّهم كانوا في مائة وخمسين ألفا يقودهم ملكهم(3) المعروف ببلاطة، وذكر أحد الحاضرين لأول مواجهة بين المسلمين والنصارى في صقليَّة قائلا « … رأيت أسد بن الفرات وفي يده اللواء وهو يزمزم فحملوا عليه، فكانت فينا روعة شديدة، وأقبل أسد على قراءة "يس"، فلمَّا فرغ منها قال للناس: "هؤلاء عجم الساحل، هؤلاء عبيدكم لا تهابوهم(4)» وحمل باللواء وحمل الناس معه فهزم الله عزَّ وجلَّ "بلاطة" وأصحابه، فما انصرف أسد رأيت - والله - الدم قد سال مع قناة اللواء مع ذراعه حتَّى صار تحت إبطه(5)، وغنم المسلمون أموالا عظيمة واستولوا على عدَّة حصون من الجزيرة ووصلوا قلعة "الكرات" وحاصروا سرقوسة برا وبحرا، وجاء المدد من إفريقيَّة، وحاصروا بليرم، وزحف الروم إلى المسلمين وهم يحاصرون سرقوسة، واشتدَّ حصارهم لها(6) وكان أسد وابن قادم أحد قواده والمقرَّبين إليه قد اختلفا، وذلك لأنّ أسد بن الفرات لمَّا وصل بالناس إلى صقليَّة أخذ الناسَ الجوعُ حتَّى أكلوا لحم الخيل فمشى الناس إلى ابن قادم، ومضى هذا إلى أسد فقال له «ارجع بنا إلى إفريقيَّة فإنَّ حياة رجل مسلم أحبُّ إلينا من أهل الشرك كلِّهم». فقال له أسد «ما كنت لأكسر غزوة عن المسلمين، ففي المسلمين خير كثير»، فأبى عليه الناس ذلك، فأراد إحراق المراكب، فبدت من ابن القادم

(1) - مارتينيو: نفس المرجع 9.

(2) - رياض النفوسي: 1/ 272. الدباغ: معالم 2/ 23. النباهي: قضاة الأندلس 54.

(3) - يقول الدوري: إنَّه بَطْرِيق صقليَّة. انظر: صقليَّة وعلاقتها 50.

(4) *- معنى قول أسد: «هؤلاء عجم الساحل، يعني الذين كانوا هربوا من الساحل بإفريقيَّة لمَّا فتحت إفريقيَّة». المالكي: 1/ 272. وقوله: «هؤلاء عبيدكم لا تهابوهم» أي الذين سوف يكونون عبيدا لكم بانتصارهم عليهم فلا تهابوا، واقتحموا ميدان الوغى بشجاعة، وكان له ما أراد.

(5) - المالكي: رياض 1/ 272. عياض: تراجم 67. الدباغ: معالم 2/ 23.

(6) - عن حصار سرقوسة وفتحها انظر: الدوري: صقليَّة 51 وما بعدها.

٥٣٠ / ٧٤٣