الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٧مجدًّا معدًّا في طلبه، فأُخبِر بأنَّه في جبل منيع، حتَّى وصله فحاصر عبد الرحمن بن رستم … فأطال المكث … فرجع إلى القيروان وقد يئس من عبد الرحمن وأصحابه»(1).
إنَّ ابن رستم؟ إذن، في هروبه، اعترضته الصعاب وظلَّ سائرا بين القبائل الإباضيَّة، سالكا طريقا جنوبيا وعرا، يمرُّ بقسطيليَّة، فصحراء المغرب الأوسط من شرقها إلى غربها(2)، حتَّى وصل الجبل المنيع "جبل سوفجج" بإقليم تيهرت التي سوف تبنى، وهناك تحصن واستعدَّ لتقلُّبات الأيام.
في هذا الجبل والحصن الطبيعي، تجمَّعت جموع الإباضيَّة التي تقاطرت على عبد الرحمن والتفت حوله ورأت أنَّه رجل الساعة الذي سيحقِّق طموحات المغاربة ويؤسس الدولة التي يحتمون بها ويحلمون(3).
لقد عرف عبد الرحمن كيف ينجو من القتل، ثمَّ عرف كيف يحوِّل الهزيمة النكراء التي تلقَّتها الإباضيَّة على يد ابن الأشعث، إلى انتصار عسكريٍّ وسياسيٍّ من نوع آخر، وفي مكان آخر.
لمَّا كثرت الإباضيَّة من المغربين الأدنى والأوسط وتمركزوا في نقطة واحدة، رأوا ضرورة بناء مدينة يأوون إليها ويتحصَّنون بها بدلا عن الجبل، فلم يكونوا يثورون من أجل الثورة فيكون الجبل أحسن حصن وأدومه لهم، وإنَّما كانوا يثورون لأنَّهم كانوا يحملون مشروع تأسيس دولة وإقامة كيان سياسي عادل مستقلٍّ عن الشرق، لمَّا تأكَّدوا من جور بعض خلفاء المشرق وبعض عمالهم في المغرب، ومن هنا فكَّروا ابتداء في بناء مدينة تأويهم وتأوي فكرهم وتطلعاتهم.
(1) - طبقات: 1/ 35 - 36.
(2) - دبوز محمَّد علي: تاريخ المغرب الكبير 3/ 255 وما بعدها.
(3) - بحاز: عبد الرحمن بن رستم 30.