الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٨ويبدو أنَّ الانطلاقة الفعليَّة لبناء هذه المدينة التي ستصبح عاصمة الرستميين، وعاصمة المغرب الأوسط فيما بعد، كانت في نهاية عام 155هـ وبداية عام 156هـ/772م(1) ثمَّ بنوها وأقاموا قواعدها وحصَّنوها، وسوَّروها، وكانت مدينة تيهرت التي أطنب الجغرافيون(2) في ذكر موقعها وخيراتها.
لقد تمَّ لهؤلاء ببناء تيهرت الرقعة الجغرافيَّة التي قصدها الإباضيَّة من المغرب كلِّه، حتَّى كان عام 160هـ/177م، عندما استأنس الإباضيون من أنفسهم قوَّة، ووجدوا أنَّهم يملكون كلّ دوافع إعلان إمامة الظهور، مثل العدد والعدَّة، والمكان الحصين، فنظروا فيمن يولُّونه الإمامة، فلم يجدوا أبرز من عبد الرحمن بن رستم الذي قاد هذه الأعمال العسكريَّة والسياسيَّة والحضاريَّة بنفسه، ثمَّ نظروا إلى تاريخه وسيرته الماضية، فقالوا: قد كان الإمام أبو الخطاب رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا فقلِّدوه أموركم … فأجمعوا رأيهم على ذلك ثمَّ نهضوا إليه بأجمعهم، وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام في ابتدائنا، ونحن الآن نرضى بك، ونقدِّمك على أنفسنا … وألقوا إليه بأيديهم»(3) يبايعونه إماما لهذه الإمامة الإباضيَّة الثالثة التي كتب لها أن تستمرَّ طويلا بعكس سالفاتها اللاتي سقطن في ظروف سنوات معدودات.
إنَّ عبد الرحمن بن رستم عامل أبي الخطاب وقاضيه بالقيروان، أصبح بعد حوالي ستة عشر عاما من الجهود والأعمال العسكريَّة(4) والسياسيَّة أصبح إماما وقاضيا في مدينة هو بانيها، وفي دولة هو مؤسِّسها، لقد جمع بين الولاية والقضاء
(1) - بحاز: الدولة الرستميَّة 81 - 85.
(2) - البكري: المغرب 168. المقدسي: أحسن التقاسيم 228.
(3) - ابن الصغير: أخبار 27.
(4) - وانظر عن مشاركة عبد الرحمن سنة 153هـ في حصار طبنة، وفشل الحصار وتعداد جيش عبد الرحمن المقدَّر بخمسة عشر ألفا. الرقيق: تاريخ 105. ابن عذاري: البيان 1/ 76 ..