القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٢٩

في القيروان، ثمَّ جمع بين الإمامة والقضاء في تيهرت، وإنَّه بمجرَّد أن بُويع بالإمامة ووُلِّي «ما وُلِّي من أمور الناس شمَّر مئزره، وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم»(1) إنَّها المهمَّة الأسياسية التي حارب من أجلها وركب الأهوال لتحقيقها: إنَّه العدل.

لقد حقَّق عبد الرحمن قاضي القيروان إذن ما لم يحقِّقه أحد من القضاة في بلاد المغرب، لقد أسَّس دولة وتولىَّ إمامتها إحدى عشرة سنة 160 - 171هـ/777 - 787م.

إنَّ هذه الدولة التي عرفت الاضطرابات السياسيَّة كما عرفت الاستقرار والرقيَّ، لم يخبرنا المؤرِّخون عن دور قضاتها في تلك الفتن الدمويَّة بخاصة منها تلك التي وقعت بتيهرت العاصمة والتي أطنب ابن الصغير في ذكرها وذكر تفاصيلها، ومع ذلك لم يشر إلى دور القضاة فيها. فهل حملوا السلاح؟ وفي أي جناح وقفوا؟ وضدَّ أي جناح حاربوا، فما دام مؤرِّخ الرستميين قد سكت عن هذه الأخبار فلا جدوى للبحث عنها في المصادر الإباضيَّة التي كثيرا ما أهملت تاريخ عاصمتها، واهتمَّت بالإقليم العسكري للدولة الرستميَّة، وحصنها المنيع "جبل نفوسة" وسيوف نفوسة.

إنَّ ابن الصغير قد ذكر أنَّ نفوسة «تلي عقد تقديم القضاة»(2). هذه العبارة شبه الغامضة، هل تعني أنَّ القضاة كانوا من نفوسة؟ وهو ما نعتقده على أكبر تقدير، فهذا يدلُّ على أن القضاة قد خاضوا في تلك المعارك بتيهرت بعد أن وقفت نفوسة موقفا حياديًّا لفترة طويلة تركوا الجند والعرب من جهة والعجم والرستميين من جهة أخرى يتقاتلون لوحدهم في تلك الفتنة التي عرفت بفتنة ابن عرفة، ولمَّا انحازوا إلى جانب الرستميين والعجم انضاف عنصر

(1) - ابن الصغير: 28.

(2) - ابن الصغير: أخبار 54.

٥٣٦ / ٧٤٣