القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٠

البربر إلى هؤلاء، فكانت الغلبة لهم في نهاية المطاف(1) فهل يحقُّ لنا أن نقول إنَّ القضاة النفوسيين بتيهرت لا يعقل أن يبقوا مكتوفي الأيدي ينظرون إلى المعارك الواحدة بعد الأخرى دون أن يشاركوا فيها وهم النفوسيون الذين قال فيهم الإمام عبد الوهَّاب «إنَّما قام هذا الدّين (الإمامة الإباضيَّة) بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة»(2)؟!

أمَّا في جبل نفوسة فقد احتفظت لنا المصادر على مشاركة أحد قضاتها البارزين في إحدى المعارك الكبيرة، التي تعتبر مخرجا حاسما في تاريخ جبل نفوسة خصوصا، وتاريخ الرستميين عموما، إنَّها معركة مانو سنة 283هـ/856م(3) بين نفوسة، وأبي العبَّاس بن إبراهيم بن أحمد الأغلبي الذي قتل منهم مقتلة عظيمة(4) وأسر منهم نحو ثلاثمائة(5) فكانت الواقعة التي فلَّ فيها حدُّ سيوف نفوسة، وفنيت فيها أبطالهم، وأريقت دماؤهم في البحر حتَّى غلبت حمرة الدم على الماء كما يذكر ذلك الشمَّاخي نقلا عن الرقيق(6).

إنَّ أبا العبَّاس لمَّا وصل بالأسرى إلى والده إبراهيم بن أحمد، وكان تحت وطأة مرضه المذكور الذي ألجأه إلى الإسراف في القتل «دعا بهم، فقرَّب إليه شيخاً منهم فقال له إبراهيم: "أتعرف علي ابن طالب؟ "، فقال له: "لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! " فذبحه إبراهيم، وشقَّ عن قبله وأخرجه بيده، وأمر أن يُفعل ببقيَّة الأسارى كذلك حتَّى أتى

(1) - نفسه: 69 - 73.

(2) - أبو زكرياء: سير 150. الدرجيني 1/ 87.

(3) - يجعلها ابن عذاري سنة 284هـ. البيان 1/ 130.

(4) - ابن عذاري: نفسه 1/ 130.

(5) - عدد القتلى في مصادر الإباضيَّة 12 ألف منها أربعة آلاف من نفوسة وحدها، ومنهم 400 عالم. الدرجيني: طبقات 1/ 130.

(6) - الشمَّاخي: سير 268. الباروني: الأزهار 2/ 280.

٥٣٧ / ٧٤٣