الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٣٢المبحث الثالث
أثر القضاء في الحياة الثقافيَّة
إذا كان للقضاة، كما رأينا مساهماتهم في مختلف مجالات الحياة، فإنَّ مساهمتهم في المجال الثقافي والفكري هي الأهمُّ والأكبر والأدوم، لأنّ القضاة بالدرجة الأولى رجال علم وفكر، واختيروا للقضاء لأنَّهم زبدة رجال العلم والفكر، لا نجد تراجمهم إلاَّ في كتب السير وطبقات علماء إفريقيَّة أو مشايخ المغرب مِمَّا يعبِّر عن مركزهم الثقافي والفكري ابتداء.
لقد سبق(1) أن رأينا أنَّ العديد من القضاة في المغرب الإسلامي إن لم نقل كلّهم كانوا أصحاب مركز علميٍّ راق ارتقوا بِهِ إلى منصب القضاء الذي يعتبر أحد المناصب الثلاثة الأولى في الجهاز الإداري للدولة بعد الإمارة والوزارة، وهو المنصب الذي يشترط العلم والكفاءة العلميَّة وربَّما لا تشترطهما الإمارة والوزارة، لأنَّ هاتين بحاجة إلى السياسة والكياسة والدهاء والقوَّة العسكريَّة، والنفوذ أكثر من حاجتها إلى العلم، وما يحوم حول العلم.
لقد ساهم القضاة في المجال الثقافي الواسع أيّما مساهمة، نبدأها بمساهمتهم في نشر تعاليم الدّين الإسلامي، فالقاضيان عبد الله بن المغيرة القرشي، وعبد الرحمن بن عقبة الغفاري من فقهاء التابعين(2) وكذلك جعثل بن هاعان(3) قاضي الجند كلّهم كانوا يحظون بإجلال كبير، ومن المعروف أنَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز لمَّا أرسل التابعين العشرة أرسلهم ليفقِّهوا أهل إفريقيَّة، وهم الذين علَّموا الكثير من المغاربة أمر دينهم وحقيقة الحلال والحرام في الإسلام(4).
(1) - انظر: المبحث الأوَّل من الفصل الأوَّل في الباب الثاني، vonderhyden: La berberie. p173 - 174.
(2) - هوبكنز: النظم 203 - 204.
(3) - الدباغ: معالم 1/ 202.
(4) - أبو العرب: طبقات 84 - 85. الدباغ: معالم: 1/ 198، 202، 210.