القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٣

وفي صقليَّة يبدو أنَّ على عاتق القاضي وضع التعريف بالإسلام وتعميق مبادئه، وفهم شريعته بالنسبة لأهل صقليَّة(1) فالقاضي سليمان بن سالم القطَّان نشر بصقليَّة علما كثيرا، بل قيل إنَّه «عنه انتشر مذهب مالك بها»(2).

فإذا كان الدين الإِسلاَمِيّ هو الثمرة الباقية إلى اليوم منذ الفتوحات، فإنَّ للقضاة دورهم في الذبِّ عنه والدعوة إليه والالتزام بأحكامه في القضاء والفتوى، كما أنَّ هؤلاء القضاة هم الذين خلَّدوا المذهب المالكي في بلاد المغرب، كما ركَّزوا المذهب الإباضي وخلَّدوه ببعض ربوعه، وهم الذين جاؤوا بهما من مصدريهما بمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدينة البصرة بالعراق، وكذلك الأمر بالنسبة للمذهب الحنفي الذي كان له وجود بإفريقيَّة الأغلبيَّة.

إنَّ هذه المذاهب الثلاثة التي اصطبغت بصبغتها بلاد المغرب الإسلامي، لم يكن للدولة الدور الكبير في تنشيطها بقدر ما كان ذلك لجهاز القضاء، فهو الأكثر احتكاكا بالرعيَّة، وإليه تحتاج هذه الرعيَّة لتسيير أمورها وفضِّ نزاعاتها ومشاكلها، وتوضيح شؤونها المختلفة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة انطلاقا من هذا المذهب أو ذاك، ومن هنا أيضاً ارتبطت الرعيَّة بمذهب معيَّن وتعلَّقت بِهِ، وتحاكمت إلى قضاته بمقتضاه دون سواه. ومن هنا كانت تلك الصراعات المذهبيَّة التي طبعت الحياة الثقافيَّة بِكُلّ من دولتي الأغالبة والرستميين، ولا يستبعد عنها دولتي المدرارييين والأدارسة، لأنّ الفترة موضوع الدراسة، كانت فترة تركيز وتثبيت لبعض المذاهب دون سواها صالت فيها مذاهب الصفريَّة والإباضيَّة والمعتزلة والأحناف والمالكيَّة وجالت، ولم يبق منها في نهاية المطاف بعد غزو الشيعة للمنطقة إلاَّ المالكيَّة والإباضيَّة منتشرتان في ربوع المغرب، عملت كلّ واحدة منهما على إزالة التشيع وإقامة دولة المالكيَّة، أو دولة الإباضيَّة، فكان للمالكيَّة دولتها عبر القرون

(1) - نوال تركي: التنظيمات 208.

(2) - عياض: تراجم 260 - 261.

٥٤٠ / ٧٤٣