القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٤

وقضاتها الذين يذبُّون عنها، فعرفت امتداداتها الواسعة، وعرف المغرب الإسلامي بأنَّه بلاد المالكيَّة، واكتفت الإباضيَّة ببعض مناطق البربر، ورغم أنَّها لم تقم الدولة السياسيَّة التي تدافع عنها عسكريًّا، إلاَّ أنَّ منهج رجالها الفكري وصرامة حكَّامها القضاة في آن واحد أبقى للإباضيَّة وجودا معتبرا بهذه الربوع رغم العواصف السياسيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة التي أثَّرت فيها، ولكنَّها لم تقو على إزالتها لا لشيء إلاَّ لأنَّها اعتمدت الجانب الثقافي وليس السياسي للدفاع عن المذهب وردِّ شبهات المفترين عليه أوالمحاولين لإزالته بالقوَّة(1).

ومن مساهمات القضاء الثقافيَّة، والتي كانت أساسا للمذهبيَّة ببلاد المغرب تلك المجالس العلميَّة التي كان القضاة يعقدونها قبل وأثناء وبعد تولِّيهم منصب القضاء، ساهموا بها في الحياة الثقافيَّة لبلاد المغرب الإسلامي، وقد لام أحد العباد والزهَّاد سحنون بن سعيد لمَّا تولىَّ القضاء، وقال له «عهدتك وأنت معتن بنفسك تقرأ القرآن وتعلِّم الناس العلم وتفقِّههم في الدين … »(2) فأجابه سحنون بأنَّه لم يتغيَّر من حياته بتولِّيه القضاء شيئًا «إنِّي لم أزل قاضيا منذ أربعين سنة»(3)، فليس القضاء بالذي يغيِّر حياة الفقيه، بل إنَّه يساهم في تزكية علمه ورفع شأنه، وقدوم الناس إليه للأخذ منه، ولا أدلَّ على ذلك مِمَّا قاله المالكي من أنَّ «الذين كانوا يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر مِمَّن يحضره من طلبة

(1) - قال أحد علماء الإباضيَّة المعاصرين المرحوم الشيخ على يحي معمَّر « … أنا على يقين في نفسي أنَّ المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة، ولا تتحطَّم بالحجَّة، ولا تتحطَّم بالقانون … وإنما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف … » انظر: الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة عند كتاب المقالات في القديم والحديث. مكتبة وهبة، القاهرة، ط1/ 1396 - 1976، ص5.

(2) - المالكي: رياض 1/ 424.

(3) - نفسه 1/ 425.

٥٤١ / ٧٤٣