القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٧

أمَّا القاضي أسد بن الفرات فيكفي أنَّ المالكيَّة والحنفية كليهما يعتبرانه أحد أعظم فقهائهم، ورغم الميول الحنفيَّة الظاهرة لدى أسد بن الفرات(1) فإنَّ أصحاب طبقات علماء إفريقية والقيروان المالكيَّة لم يستطيعوا أن يتخلَّوا عن هذا الحنفي المالكي فجعلوه مالكيا خالصا، وممَّا يُروى عن علمه وثقته وكفاءته في المذهبين معًا ويشير إلى نوعية مجالس العلم التي كان يعقدها، ومستواها العالي، أنَّه كان «إذا سرد أقاويل العراقيين (الأحناف) يقول له مشايخ كانوا يجالسونه مِمَّن يذهب مذهب أهل المدينة (المالكيَّة): أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله، فيسرد أقاويل أهل المدينة»(2)، لقد كان صاحب القنديلين معًا: علم الحنفية وعلم المالكيَّة، واستفاد منه الجميع في مجلس علمه، بخاصة وأنَّ الفترة التي عاشها أسد في القيروان ممكن اعتبارها مبكِّرة نوعا ما للصراع المذهبي الحقيقي الذي يبدو لي أنَّه بدأ مع القاضي سحنون بن سعيد في منتصف القرن الثالث الهجري، وليس قبل ذلك واستمرَّ بعده إلى ما بعد سقوط الأغالبة.

أمَّا الإباضيَّة فإنَّ علوم العقيدة والحديث والفقه والسير تروى عندهم ثقة عن ثقة، وهو ما عرف بـ: "سلسلة نسب الدّين" مصطلح إباضي مغربي خالص(3) حافظ عليه العلماء الإباضيَّة بالمغرب، واهتمُّوا بِهِ أيّما اهتمام، لأنَّه يعتبر الركيزة في حقيقة المذهب الإباضي وحقيقة رواته، وبالتالي هو الدليل عندهم أنَّهم الفرقة الناجية لأنَّها التي على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تبدّل، ولم تتأثَّر بالأهواء السياسيَّة تأثَّر غيرها من الفرق والمذاهب.

إنَّ المذهب الإباضي بفقهه والأحاديث المعتمدة عنده إِنَّمَا وصل بلاد المغرب عن طريق حملة العلم الخمسة «عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي،

(1) - عياض: تراجم 62.

(2) - الدباغ: معالم 2/ 18. وانظر عن مذهب أسد بن الفرات. المجذوب: الصراع المذهبي 52 وما بعدها.

(3) - الشمَّاخي: سير 578.

٥٤٤ / ٧٤٣