الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٣٩قضيَّة خلق القرآن حيِّزا كبيرا من الفكر والمناقشات في بلاد المغرب الإسلامي إذ شغل المعتزلة أنفسهم وخصومهم بمختلف المسائل الكلاميَّة وأهمها تلك التي تبحث في طبيعة القرآن أهو مخلوق أم غير ذلك ومشهورة رواية ذلك المجلس الذي عقد بحضرة الأمير محمَّد بن الأغلب بن ابراهم، وجمعٍ من قواده وقاضيه عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي، وغيرهم وسئل فيه سحنون عن القرآن فكان جوابه ذكيا: «أما شيء ابتدئه من نفسي فلا، ولكنِّي سمعت من تعلمت منه، وأخذت عنه كلّهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق»(1)، هنالك ثارت ثورة القاضي المعتزلي، وقال محرِّضا الأمير على قتل سحنون: «كفر، فاقتله ودمه في عنقي … »(2) إلاَّ أنَّ الدائرة فيما بعد دارت على القاضي المعتزلي، لأنَّه عزل ليتولَّى القضاء بعده سحنون بن سعيد المالكي.
ومن المعروف أنَّ تيهرت الرستميَّة هي الأخرى اهتزَّت مرارا بفعل فكر المعتزلة، فلا نستبعد أن يكون بعض قضاتها قد تجادلوا في هذه المواضيع التي نشط لها المعتزلة أيُّما نشاط(3). وكذلك الأمر بالنسبة للأدارسة الذين بنوا دولتهم وهم الشيعة بمساعدة المعتزلة وبالتنسيق معهم(4)، ثمَّ كان أوَّل قاض لهم مالكي المذهب إختاره إدريس الثاني من وفد العرب الذي قدم إليه والغريب أنَّه لم يختره من مذهب المعتزلة، وكانوا في عهده يصولون ويجولون ببلاد المغرب ربَّما لأنَّهم من البربر، وليسوا عربا في بلاد المغرب.
(1) - عياض: تراجم 117.
(2) - نفسه 117.
(3) - ابن الصغير: أخبار 82. أبو زكرياء: السيرة 104 وما بعدها.
(4) - السنوسي: الدرر السنيَّة ص61. محمود اسماعيل: ملاحظات حول تاريخ الأدارسة مقال بمجلَّة الحياة الثقافيَّة. 8. وانظر نفسه: سوسيولوجيا الفكر الإسلامي ص 106 - 107. وانظر نفسه: مغربيات 127.