الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤٠إنَّ المغرب الإسلامي في القرنين الثاني والثالث للهجرة عرف نشاطاً فكريًّا كبيرا نتيجة تعدُّد المذاهب، كثرت مناظرات تلك المذاهب فيما بينها(1)، وكان بعض القضاة يحضرون تلك المناظرات ويساهمون فيها، وكان ابن طالب القاضي «فطنا جيِّد النظر … حريصا على المناظرة يجمع في مجلسه المختلفين من الفقهاء ويغري بينهم لقصد الفائدة. فإذاتكلم أجاد وأبان حتَّى يودَّ السامع أنَّه لا يسكت»(2). وفي مجلس عقده الأمير إبراهيم الثاني لامتحان القاضي ابن طالب بحضرة العلماء فأتي بالقاضي من السجن وسأله «فلم يسأله عن شيء مِمَّا كان قد عجز عن جوابه في الجمعة الماضية (أي في مجلس سابق) إلاَّ أجاب فيه بجواب صحيح في كلّ ما سئل عنه فأغتم إبراهيم لذلك، وأمر بردِّه إلى السجن ثمَّ عمل على قتله»(3). وقبل أن يقتله كان لعظم محنته وكثرة امتحاناته، قد ذهب أكثر عقله، وفهمه(4)، ومن المعروف أنَّ هذا القاضي كان ينافسه سليمان بن عمران يإيعاز من الأمراء الأغالبة في البداية، ثمَّ كلَّف محمَّد بن عبد الله بن عبدون القاضي بعد ذلك بمتابعة سلفه القاضي وامتحانه وحضور تلك المجالس المنعقدة من أجله، وكان ابن عبدون على المذهب الحنفي.
وإذا كانت متابعة القضاة الجدد للقضاة المعزولين سمة من سمات القضاء الأغلبي منذ ولاية سحنون بن سعيد، فإنَّه قبل ذلك كان اشتراك قاضيين في آن واحد في قضاء القيروان مدعاة للمناظرة ومجالسها برعاية من الأمير الأغلبي عادة، فزيادة الله بن الأغلب كان يجلس في مقصورته وإلى يمينه قاضيه أبو محرز، وعلى
(1) - المالكي: رياض 2/ 70 وما بعدها.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 159.
(3) - المالكي: رياض 2/ 68 - 69.
(4) - نفسه 68.