القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٤٦

لقد كان لبعض قضاة الرستميين دورهم البارز في إثراء الفقه الإباضي إذ يعتبرون من الأوائل الذين حملوا المذهب في المغرب وساهموا في تطبيق أحكامه على أرض الواقع، وأخذ عنهم الخلف اقتداء بهم، وهم السلف، فكانت إذن فتاويهم، واجتهاداتهم وأحكامهم في العديد من النوازل، والعديد من المجالس القضائية، أساس التدوين الفقهي، وتلك مساهمة عظيمة لفقهاء هذه الفترة عموما وقضاتها خصوصا، وقد جمع الشيخ أبويعقوب الوارجلاني العديد من تلك الأحكام والإجتهادات في كتابه: «الدليل لأهل العقول» بخاصة(1).

أمَّا في إفريقية عصر الولاة والأغالبة، فإِنَّ الحياة الثّقافية المزدهرة، التي عاشتها خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، كان فيها للقضاة مساهمتهم الفعالة وآثارهم الباقية على مرّ السنين والقرون، حيث ألّفوا كتبا عديدة في مختلف فروع المعرفة الفقهيَّة، فالقاضي عبد الله بن فروخ ألّف في الرّد على من أسماهم بأصحاب البدع، إلاّ أنّ الإمام مالك أرسل إليه يحذّره: «إنّك إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل وتهلك أو نحو ذلك، لا يرد عليهم إلاّ من كان عالما ضابطا، عارفا بما يقول لهم … ، أمَّا غير ذلك فإنِّي أخاف أن يكلّمهم فيخطئ فيمضوا في خطئه … ، ويزدادوا تماديا على ذلك»(2) ولا ندري ما فعل ابن فروخ بما كتبه من الرّدود والظاهر أنَّه توقف طاعة لإمام المذهب.

أمَّا القاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم، فإِنَّ سحنون بن سعيد قال فيه وفي أمثاله: كان العلماء في إفريقية يموتون ويبقى العلم في صدورهم، لا يسألون أهل إفريقية عن علمهم ومثل ذلك عبد الرحمن بن زيَّاد، بقي العلم في صدره، لا ينتشر عنه ولا يعرف، إلاّ أنّ أبا العرب يؤكد قائلا: « … إنّما وجدنا عنه كتابين

(1) - بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية 321. وانظر هامش108.

(2) - أبو العرب: طبقات 110.

٥٥٣ / ٧٤٣