القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٤٧

فقط … ورواهما عنه عبد الله بن غانم القاضي وغيره. ما علمت أنَّه انتشر عنه العلم غير كتابين.»(1).

فهل يقصد أبو العرب هنا بالكتابين: تأليفين أم يتحدث عن رسالتين؟. المهم، أنّ هذا القاضي ترك علما واسعا يُنتفع بِهِ منه هذان الكتابان.

وألّف أسد بن الفرات كتابه: «الأسدية» في الفقه، أخذ مادته عن عالم مصر، عبد الرحمن بن القاسم(2)، تلميذ الإمام مالك - رضي الله عنه -، ولمَّا جاء بها إلى المغرب، انكبّ عليها المغاربة يأخذون منها، وكان المصريون قبل ذلك رغبوا في الاستفادة منها واستنساخها(3)، ويذكر أنَّه حصلت بذلك لأسد في القيروان رئاسة، ومع كلّ هذه الأهميَّة، إلاَّ أنَّ هذا الكتاب «الأسديَّة» لم تدم أهميته طويلا، ولا الاستفادة منه، لأنّ، سحنون بن سعيد أحد تلاميذ أسد بن الفرات، استطاع أن يبز أستاذه ومربيه(4)،ويفوز بالسبق، فقد سافر هو الآخر إلى مصر، وجلس يستمع إلى نفس الشيخ الذي أخذ عنه أسد، وهو عبد الرحمن بن القاسم، ولكنَّه كان هذه المرَّة يعرض كتاب «الأسدية» على الشيخ، بعد أن بلغ في العلم قمَّته ودقَّق في المسائل تدقيقا، ومن هنا كتب سحنون «مدوَّنته» وكانت أكثر ضبطا، وأعمق فكرا، ولمَّا فرغ منها كتب له شيخه إلى تلميذه الأوَّل أسد بن الفرات يأمره أن يردَّ كتابه «الأسدية» على «مدوَّنة» سحنون، إلاَّ أنَّ تلاميذ أسد أشفقوا على شيخهم فقالوا له: لا تفعل فإنَّك أسبق، أدركت مالكاً وأبا يوسف فإن فعلت ساد عليك سحنون، فلم يفعل ما قاله له شيخه «وتمسَّك بكتابه الأسدية، ونشر مذهب أهل العراق، وتمسَّك

(1) - نفسه: 100.

(2) - عن ترجمة عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد انظر المدوّنة الكبرى 6/ 470 - 471.

(3) - عياض: تراجم 58 - 59.

(4) - نفسه: 60.

٥٥٤ / ٧٤٣