القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٤٨

سحنون بمدوّنته التي قدم بها، ونشرها وسمعها عليه أهل المغرب، وانتشر ذكرها في الآفاق، وعوَّل الناس عليها، وأعرضوا عن الأسدية … »(1).

إنَّنا أمام تأليفين مهمَّين(2) لقاضيين كبيرين من قضاة القيروان في العصر الأغلبي، فإن كانت الأسدية قد أنكرها القرويون، لأنَّها جاءت «بأخال» و «أظنُّ» و «أحسب»(3)، ولم تأت بالعلم القطعي في نظر فقهاء القيروان آنذاك، فإنَّ المدوّنة الكبرى لسحنون بن سعيد نالت الحظوة العظمى، وارتقت مراقي عالية، واعتبرت الأساس الفقهي لمذهب مالك في المغرب الإسلامي خصوصا وعند المالكيَّة عموما.

لقد اقتصر الناس على التفقُّه في كتب سحنون «المدوَّنة» «ونظر فيها سحنون نظرا آخر، فهذَّبها وبوَّبها ودوَّنها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيَّل أبوابها بالحديث والآثار إلاَّ كتباً منها متفرِّقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدوَّنة والمختلطة، وهي أصل المذهب المرجَّح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإيَّاها اختصر مختصروهم وشرح شارحوهم وبها مناظرتهم ومذاكرتهم»(4).

إنَّ هذا الكتاب الذي ألَّفه سحنون ذو الأهميَّة الكبرى عند المالكيَّة، أفرغ الرجال فيه عقولهم وشرحوه وبيَّنوه حتَّى قيل: «إنَّ المدوَّنة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن تجزي قراءتها في الصلاة من غيرها، ولا يجزي غيرها منها»(5) فهي تأتي

(1) - المالكي: رياض 1/ 263. عياض: تراجم 60 وما بعدها.

(2) - نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي، أطروحة، 473 وما بعدها.

(3) - عياض: تراجم 59 - 60.

(4) - عياض: تراجم 60 - 61.

(5) - نفسه 61.

٥٥٥ / ٧٤٣