القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٤٩

في المرتبة الثالثة بعد كتاب الله العزيز وموطَّإ مالك(1)، فلا تجد مصدرا فقهيا مالكيا إلاَّ واعتمد عليها ولا بدَّ، فلا غرو أنَّ التأليف المذهبي في المغرب الإسلامي، بدأ في هذه الفترة بالذَّات، وكان للقضاة فيه نصيبهم الأوفى.

إنَّ هذا التأليف الضخم للقاضي سحنون وذلك التأليف الآخر للقاضي أسد بن الفرات، وضع كلاًّ من الرجلين القاضيين في مصاف الفقهاء الأوائل الذين نظَّروا للمذهبين المالكي والحنفي(2)، فإن كُتب البقاء لمدوَّنة سحنون، لأنَّها الأشمل والأضبط، ونال بها رئاسة المالكيَّة في المغرب الإسلامي، فإنَّ أسد بن الفرات بعد ذلك «مال إلى كتب أبي حنيفة فرواها وسمعها منه أكثر الكوفيين يومئذ، ومال إليهم»(3). ويبدو لي أنَّه بذلك نال هو الآخر رئاسة الأحناف في المغرب الإسلامي، فهو إمامهم وشيخهم الأوَّل ويكفي مساهمة له في الحياة الثقافيَّة أنَّه كان له فضل السبق في تأليف أسديته، برواية ابن القاسم عن مالك، لقد كان فعلا بحرا من بحور العلم على المذهبين المالكي والحنفي، أخذ العلم عن الإمامين أبي حنيفة ومالك مباشرة، وهو صاحب القنديلين كما سبق أن أشرنا، يفيض علمه الحنفي، حتَّى يقال له أوقد القنديل الثاني فيفيض علمه المالكي على تلامذته … ولا

(1) - عن هذه المدوَّنة انظرها منسوبة للإمام مالك 06 مجلَّدات، طبعة دار صادر، بيروت، ط الأوفست عن طبعة دار السعادة، مصر 1323هـ/1905م الغريب أن تنسب المدوَّنة للإمام مالك، وقد ألِّفت بعده بسنين عديدة لم يفكِّر فيها مالك ولم يأمر بها ولم يطَّلع عليها، فالمدوَّنة للقاضي سحنون بن سعيد بلا منازع، وإن نسبها البعض للإمام مالك، قصد تثمينها وتزكيتها، وهي الثمنية والمزكَّاة بنسبتها للإمام القاضي سحنون بن سعيد مؤلِّفها الحقيقي. وممَّا يدلُّ على أنَّ المدوَّنة للقاضي سحنون، وليست للإمام مالك - رضي الله عنه - دلالة قاطعة، هو أنَّ القاضي عياض لم يذكرها ضمن تآليف مالك. انظر ترتيب المدارك، 1/ 204 - 207.

(2) - نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي، أطروحة، 473 وما بعدها. وعن الكتابين انظر حسن علي حسن: الحياة الدينيَّة في المغرب (القرن الثالث الهجري)، بلا مكان وتا. الطبع، 205 - 211.

(3) - عياض: تراجم 62.

٥٥٦ / ٧٤٣