الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥٢والحقيقة أنَّنا نعتقد أن لقضاة الحنفية المزيد من المؤلَّفات، وإن لم تذكرها المصادر للأسباب التي سلف ذكرها ثمَّ إنَّ مصادر الطبقات والتراجم في إفريقيَّة إِنَّمَا وضعت المالكيَّة أصحابها خصِّيصا لتراجم المالكيَّة وطبقاتها، ولهم ذلك، ومن هنا حمَّلنا المسؤوليَّة الكبرى للحنفية أنفسهم لماذا لم يتركوا أو بالأحرى لم يحافظوا لنا على كتاب واحد على الأقلِّ في تراجم رجالهم وطبقات مشايخهم بالمغرب الإسلامي؟
الخلاصة إنّ تآليف القضاة في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) تعتبر من التآليف الأولى ببلاد المغرب، وكلّ من جاء من بعدهم إِنَّمَا نسج على منوالهم، ويعتبر عالة عليهم، فقضاتنا إذن من الفقهاء الذين أكملوا جهد المحدثين بفقه الواقع وضبطوا أعمالهم وأحسنوا تنسيقها على أبواب الفقه، ويسَّروا الإفادة منها، ومن ثمَّ يصدق فيهم بالذَّات ما قاله الشيخ محمَّد الغزالي من أنَّ الفقه والفقهاء قادوا «حضارتنا التشريعيَّة في أغلب العصور»(1)، وهل القضاة إلاَّ فقهاء؟
إنَّ آثار القضاة الثقافيَّة ببلاد المغرب من الكثرة بحيث لا نكاد نحصيها، فقد كانوا هم الذين اختاروا قراءة نافع برواية ورش(2) في تلاوة المغاربة للقرآن الكريم، فهذا القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب تلميذ سحنون كان «أيَّام قضائه أمر ابن برغوث المقرئ بجامع القيروان ألاَّ يُقرئ الناس، إلاَّ بحرف نافع»(3)، هذه القراءة التي لا تزال هي المفضَّلة عند المغاربة إلى يومنا هذا مالكيَّة وإباضيَّة ومصاحفهم كلّها برواية ورش عن نافع.
(1) - محمَّد الغزالي: هموم داعية، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص20.
(2) - عن هذه القراءة انظر القرآن الكريم طبع المؤسَّسة الوطنيَّة للفنون المطبعيَّة، الرغاية، الجزائر 1994. ص: أ. وانظر ابن خلكان: وفيات، 5/ 368 - 369. المقدسي: أحسن التقاسيم، 236.
(3) - عياض: تراجم، 213. علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، 42 - 43.