القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٥٣

ولقد ذكرنا محاربة القضاة للزنادقة الذين يريدون تشويه الدّين(1) وضربهم لمن ينتقص العلماء، فالقاضي أسد بن الفرات ضرب شيخا من شيوخ إفريقيَّة معروفا بالعلم ومعرفة الحديث لمَّا شهد عليه عنده في وقت ولايته القضاء أنَّه انتقص عبد الرحمن بن القاسم «فضربه على ذلك ضربا عظيما … »(2).

وبت أحد القضاة في نزاع حول كتاب تفسير هود بن محكم الهواري، وقع بين رجلين، وكادت أن تنتقل المنازعة إلى قبيلتيهما، وتصاف الفريقان، وكاد أن يقع الشرّ بينهم فلمَّا رأى ذلك أبو محمَّد جمال المدوني انتزع المصحف من بينهم فقسمه نصفين وأعطى لكُلٍّ نصفا، وقال من شاء منكم الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته فاصطلح الفريقان وافترقا على خير(3).

أمَّا القضاء والشعر في بلاد المغرب فإنَّه يختلف اختلافا كبيرا عمَّا هو عليه في بلاد المشرق في تلك العهود، فلقد ذكر المؤرِّخون الكثير من الأشعار قيلت في هذا القاضي مدحا أو قيلت في ذلك ذمًّا وتهكُّما وهجاء(4)، وهذا يدلُّ على اهتمام الشعراء بالقضاء والقضاة، في شؤونهم الخاصة وفي عدلهم وجورهم، بل إنَّ من القضاة أنفسهم في المشرق الإسلامي، من قال الشعر ووضع له الدواوين، وما أكثرهم(5).

ويبدو لي أنّ الشعر في المشرق العربي موهبة وسجيَّة، وهم العرب الأقحاح، في حين نجد المغرب الإسلامي بلاد البربر، وإن سكنه العرب الوافدون منذ

(1) - عياض: 213.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 264.

(3) - أبو زكرياء: سير 359 - 360. الدرجيني: طبقات، 2/ 345 - 346. الشماخي: سير، 290. وعن أبي محمَّد جمال انظر ترجمته الدرجيني 2/ 345 - 349.

(4) - الكندي: قضاء مصر، أغلب الصفحات. ابن قتيبة: عيون الأخبار، 1/ 60 - 82.

(5) - عصام شبارو: القضاء والقضاة، 179، 183 - 189.

٥٦٠ / ٧٤٣