القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٥٤

الفتوحات الأولى، فإنَّهم كانوا عرب جهاد واجتهاد فقهي، وليس شعر وشعراء، نقول هذا عن إفريقية، حيث كثافة العرب، بعكس المغربين الأوسط والأقصى، فالمغرب الإسلامي عموما اهتمَّ في هذه الفترة المبكِّرة من تاريخه الإسلامي بالفقه، فكانت هناك مدارس فقه متعدِّدة، إباضيَّة وحنفية ومالكية، كان الاهتمام عليها منصبًّا، وهي الشغل الشاغل لقضاة هذه المرحلة، التي سلف أن ذكرنا أنّ قضاتها هم الذين وضعوا الأسس الأولى لهذه المذاهب ببلاد المغرب، وهم الذين عملوا على تدوين فقهها ومناصرة مذهبياتها.

هذا بصفة بعامةما يبرر ندرة الشعر والاهتمام بِهِ من قبل القضاة، أو من قبل غيرهم ببلاد المغرب، في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وإن لم نعدم وجود بعض العيِّنات منها، فالقاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم أحد قضاة عصر الولاة، ترك لنا أبياتا كتب بها إلى ولده، وبخاصة بلده يقول فيها(1):

ذكرت القيروان فهاج شوقي … وأين القيروان من العراق!؟

مسيرة أشهر للعيس نصًّا … وللخيل المضمرة العتاق

فأبلغ أنعُما وبني أبيه … ومن نرجو لنا وله تلاقي

بأنّ الله قد خلَّى سبيلي … وجدَّ بنا المسير إلى مزاق(2)

هذه الأبيات على ما يبدو، قالها القاضي ابن أنعم، لمَّا فُكَّ أسره من البيزنطيِّين الروم إذ من المعروف أنهم أسروه ومضوا بِهِ إلى القسطنطينية(3)، ولمَّا وجد حرِّيته، جادت قريحته بهذه الأبيات، التي تفيض شوقا إلى القيروان وآله بعد وصوله بغداد.

(1) - الدباغ: معالم، 1/ 232.

(2) - مزاق فحص القيروان: شُهر بذلك لأنّ السحاب يتمزَّق فيه. انظر المالكي: رياض، 1/ 156، الدباغ: معالم، 1/ 232.

(3) - الرقيق: تاريخ إفريقية، 127 - 128.

٥٦١ / ٧٤٣